آخر تحديث للموقع : الأربعاء 8 ذو القعدة 1435هـ الموافق:3 سبتمبر 2014م12:09:00 بتوقيت مكة

القـائـمـة الـرئـيـســة

البــحـث

القــائمـــة البريديــة..

إلغــاء الاشتــراك..
اشتــراك..

عــــداد الـــزوار

أنــت الــزائــر رقــم
15895764


عدم وجود مؤلَّـف فقهـي للإمام جعفر الصادق
الكاتب: مدير الموقع

لا يوجد لدى الشيعة كتاب في الفقه ألفه جعفر الصادق نفسه أو دوّنه له تلامذته وبقي الناس يتداولونه إلى اليوم، كما هو شأن غيره من فقهاء المذاهب. وما نسب إليه من فقه إنما كتب بعد وفاته بمئات السنين دون سند صحيح يطمَأنّ إليه.

فمن الحقائق الثابتة الغائبة عن أذهان عوام الشيعة أن جعفر الصادق (رحمه الله) – أو أي واحد من (الأئمة الاثني عشر) - لم يؤلف كتاباً في الفقه ولا كتاباً في الحديث!

على العكس من أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم، فإن كل واحد منهم قد ترك لنا كتاباً مؤلفاً في الفقه وفي الحديث:

فالإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (رحمه الله) ترك لنا (مسنده) في الحديث. وأما فقهه فقد تعهد تلامذته المباشرون له كالقاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني بتدوينه ونقله.

والإمام مالك بن أنس (رحمه الله) ترك لنا بخطه (الموطأ) في الفقه والحديث.

والإمام الشافعي (رحمه الله) ترك لنا (المسند) في الحديث، وكتاب (الأم) في الفقه. وهو مؤسس علم (أصول الفقه) في كتابه (الرسالة) الذي هو أول كتاب في الإسلام ألف في بابه.

وأما الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (رحمه الله) فـ(مسنده) في الحديث أشهر من نار على علم! وأما فقهه فمحفوظ مدون.

ومن أشهر تلامذته الذين دونوا فقهه الإمام الخلال (رحمه الله).

حتى الإمام زيد بن علي (رحمه الله) له فقه مدون، وكتاب مسند في الحديث.

إلا جعفر بن محمد الصادق! لم نجد له لا كتاباً في الحديث، ولا كتاباً في الفقه كتبه هو أو جمعه له تلاميذه. وليس لهم من مستند فيما يفتون به عنه سوى روايات لا يمكن لهم القطع بصحة نسبتها إليه، بل هم يصرحون بطعنهم فيها، وشكهم بنسبتها!

والروايات التي نسبت إليه إنما ظهرت بعد وفاته بأزمنة متطاولة! وأقدم كتاب للرواية على الأبواب الفقهية معتمد لدى الإمامية موجود بين يدينا هو كتاب فروع الكافي للكليني المتوفى عام (329هـ). أي بعد وفاة الإمام جعفر الصادق بـ(180) عاماً! ثم جاء من بعده محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى عام (381هـ) في كتابه (فقيه من لا يحضره الفقيه). أي بعد جعفر بأكثر من (230) عاماً !!

الأصول الأربعمائة:

كل ما يمكن أن يتمسك به علماء الشيعة القول بأن هناك كتباً دونها تلامذة الأئمة من إملائهم مباشرة، أو تلاميذ تلامذتهم المباشرين اصطلحوا على تسميتها بـ(الأصول)، وقالوا: إن عددها أربعمائة.

ولكن أين هذه الكتب اليوم؟

هل بقي منها شيء؟

كلا!

لقد ضاعت جميعها ولم يبق منها إلا أخبار عنها تذكر في الكتب! وهي لو وجدت حقاً لاحتاجت إلى فحص وتدقيق، وتثبت وتوثيق. فكيف وهي مفقودة لا وجود لها ؟!

وقد اعتذر (آية الله) الشيخ جعفر السبحاني عن فقدانها بقوله: (ولما لم يكن للأصول ترتيب خاص إذ أن جلها إملاءات المجالس وأجوبة المسائل النازلة المختلفة، عمد أصحاب الجوامع إلى نقل رواياتها مرتبة مبوبة منقحة تسهيلاً للتناول والانتفاع. فما كان في هذه الأصول انتقل إلى الجوامع الحديثية لا سيما الكتب الأربعة، ولكن بترتيب خاص. وباشتهارها قلت الرغبات في استنساخ الأصول والصيانة على أعيانها).

وقال: (وقام تلامذة أئمة أهل البيت بتأليف أصول أربعمائة ما بين عصر الإمام الصادق صلى الله عليه وسلم إلى نهاية عصر الإمام الرضاصلى الله عليه وسلم  ، وهذه الأصول هي المعروفة بالأصول الأربعمائة، فلها من الاعتبار والمكانة ما ليس لغيرها).

والحقيقة أن هذه الكتب التي (لها من الاعتبار والمكانة ما ليس لغيرها) هي والعدم سواء! لأنها لا وجود لها بتاتاً! سوى الدعوى. مثلها مثل المهدي! اعتبار ومكانة على.. لا شيء!!

وقال بعد كلامه السابق مباشرة: (قال السيد رضي الدين علي بن طاووس (المتوفى 664هـ) :  حدثني أبي قال: كان جماعة من أصحاب أبي الحسن من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه، ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن صلى الله عليه وسلم بكلمة، أو أفتى بنازلة أثبت القوم ما سمعوه منه في ذلك).

والناظر في تأريخ الوفاة يجد بين علي ابن طاوس (والد رضي الدين الذي يقول عنه أنه حدثه) وبين أبي الحسن أكثر من أربعة قرون ! فأين اتصال السند؟! ولو كان الأمر متعلقاً بخبر عادي، أو مسألة من مسائل الفقه لهان الخطب، ولكنه متعلق بدعوى وجود أربعمائة كتاب مصنف لم يبق منها شيء! فإذا سألت عنها: أين هي؟ هل هناك من أثر يدل عليها؟ كان الجواب: قال فلان وفلان أنه كذا وكذا! وبين فلان وفلان وبين أصل الخبر عدة قرون!

ومما استدل به جعفر السبحاني هذا - وهو عالم بحريني معاصر !- على وجودها ما يلي:( قال شيخنا (!) بهاء الدين العاملي في "مشرق الشمسين": إنه قد بلغنا من مشايخنا أنه كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمة حديثاً بادروا إلى إثباته في أصولهم لئلا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادي الأيام. وبمثله قال السيد الداماد في "رواشحه").

ثم استشهد بقول المحقق الحلي والطبرسي والشهيد الثاني. وهؤلاء  كلهم  لم  ير واحد منهم  سطراً واحداً من هذه (الأصول)! وبينهم

وبين (الأئمة) دهور وعصور!

وغاية ما استند إليه قوله: (وقد كان قسم من تلك الأصول باقياً إلى عهد ابن إدريس (543-598هـ) حيث قام بنقل جملة منها في كتابه "السرائر" وأطلق عليها المستطرفات، كما نقل جملة منها عنه السيد رضي الدين بن طاووس كما ذكرها في "كشف المحجة". وقد وقف أستاذنا السيد محمد الحجة الكوه كمري (1301-1372) على ستة عشر من تلك الأصول وقام بطبعها).

وعلى فرض التسليم بصحة المذكور عن الكوه كمري فإن نسبة ما وقف عليه إلى ما فقد وضاع منها يساوي (4%) فقط !

والأمر كله – بعد ذلك - لا يعدو كونه دعوى في دعوى! ويكفيك أن تعلم أن أقدم وأوثق (المجامع الحديثية) عندهم والتي انتقلت إليها هذه (الأصول) – كما يدّعون - وهو كتاب (الكافي) للكليني أكثر من (60%) منه ما بين ضعيف وموضوع بشهادة المجلسي وغيره من علماء الشيعة!

مفارقة عجيبة!

لا أريد الانتقال من هذا الفصل دون الإشارة إلى مفارقة عجيبة فيه: فإنه حين تقارن بين المذاهب الفقهية الحية (الزيدي والحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) والمذهب (الجعفري) وتجد – كما أسلفنا في أول الكتاب - أن كل واحد من مؤسسي هذه المذاهب قد حفظ له أتباعه كتباً ألفها في الفقه والحديث وغيرها. إلا المذهب (الجعفري)! رغم اشتماله على اثني عشر إماماً، شغلوا مساحة من الزمن امتدت إلى ثلاثة قرون - تنتصب أمام ناظريك مفارقة عجيبة لا يمكن أخذها على ظاهرها، أو التسليم بها على علاتها!!

لا بد أن أمراً غير عادي قد حصل مع هؤلاء الأئمة! وإلا كيف يعقل أن أحد عشر - أو اثني عشر حسب اعتقاد الشيعة - عالماً في مذهب واحد لا يكتب واحد منهم كتاباً فقهياً أو حديثياً واحداً فيه، بينما لكل مذهب من المذاهب الأخرى إمام واحد فقط ، وقد كتب وألف كتباً عديدة ؟!

أمّا أنه لم يكتب واحد منهم قط ، فهذا لا يمكن تصديقه. وأما أن يكون قد كتبت كتب وألفت مؤلفات لكنها ضاعت، فهذا يصعب أن يحدث: إذ كيف يمكن قبول أمر يتكرر مع أحد عشر عالماً على التوالي؟

مع أنه لم يحدث مثله لأي عالم من علماء المذاهب الأخرى!! لا بد من تفسير آخر!

لقد تأملت في هذه المفارقة الكبيرة فلم أجد أقرب من افتراض وجود مؤامرة محبوكة ومن وقت مبكر لطمس تلك المؤلفات!

لقد ألّف هؤلاء الأئمة - أو بعضهم على الأقل - لكن مؤلفاتهم كانت تصادر من قبل أناس يحرصون على الظهور بمظهر الأتباع  ثم يقومون بإتلافها حتى يتمكنوا من التلاعب بما ينسب إليهم بعد اختفاء (أولياته)! وعوضوا ذلك بكم هائل من الروايات المزيفة، المغلفة بالتعصب لهم والتظاهر بحبهم والحرص على الانتساب إليهم، مع الغلو في ذلك – وكل غالٍ كاذب - حتى يتمكنوا من خداع الجمهور وجعله مهيأً لأن يصدق دعواهم. والتي أسخف ما فيها أنهم ينعون على غيرهم أنهم مخالفون لـ(مذهب أهل البيت)، ويدعونهم بإلحاح إلى ترك مذاهبهم والخروج منها إلى هذا (المذهب) الذي ليس في حقيبته كتاب واحد تركه جعفر الصادق، أو غيره من الأئمة يمكن أن تكون به (إمامياً) أو (جعفرياً) بحق!

كيف نترك مذاهب موثقة متصلة بأئمتها؟ ولها كتب كتبها أولئك الأئمة! لنخرج إلى وهم لا سند له غير ادعاء فارغ! لا يمكن تصديره إلا على عوام ألغوا عقولهم وصاروا يأخذون الأمور بالتلقين والتسليم على بياض؟!!

وهذا كله يرفع الثقة، أو –على الأقل- يثير الشك في الفقه المنسوب. فإذا أضفنا إليه الخلافات الفقهية التي لا تحصى بين فقهاء الشيعة تغلب الشك وارتفعت الثقة. فإذا أضفنا إلى ذلك كله الاطلاع على مضامين كثير من  مسائل هذا الفقه لم يبق شك في منحوليته وبطلان نسبته إلى الإمام جعفر بن محمد رحمه الله.

عدد مرات القراءة:
122773


 
الشيعة عيال على أهل السنة في علم أصول الفقه
الكاتب: مدير الموقع

مدخل:

كثيرة هي الدعاوى وكثير أصحابها.. فالباحث في مجالات العلوم على اختلاف أصنافها يجد فيها من الدعاوى والإثباتات الشيء الكثير.. دعاوى متنوعة، منها ما يتعلق بجزئيات العلم نفسه، ومنها ما يتعلق بأصل نشأته، ومنها ما يتعلق بالرد على المخالفين في قضية ما من قضاياه، وكلما علا شأن العلم وكبرت قيمته وازداد وزنه وبرزت أهميته كلما تهافتت إليه نفوس الناس ادعاء لنسبته إليهم وصدوره عنهم وأن لهم وحدهم قدم السبق فيه وغيرهم من الناس ما كانوا ليصلوا لولاهم وما هم إلا تبع لهم في الفكرة والتأصيل والتفريع .

ومن هذه العلوم وتلك المجالات التي دار حولها الخلاف – أعني: خلاف أصل النشوء والتبعية – علم أصول الفقه، فإنك إذا ما بحثت في الخلاف حول أصل نشأته تجده محصورا بين فرقتين لا ثالث لهما (السنة والشيعة) . وكلا منهما يدعي أن له السبق في هذا العلم وأن نشوءه ومنبعه كان من جهته.

والمثير في الأمر أنك تجد الشيعة هم من يحاولون جاهدين بشتى الطرق ومختلف الأساليب إثبات الدعوى بأن لهم السبق في إنشاء هذا العلم الجليل القدر والعظيم الشأن . ولعل من المناسب أن نحاول البحث عن الأسباب التي دفعت الشيعة أو أي جهة تريد نسبة ذلك العلم لها قبل بيان حقيقة الدعاوى وإبراز القضايا المتعلقة بها .

أما عن الأسباب فإنك بنظرة فاحصة وتركيز ثاقب يمكن أن تصل إليها ويمكن إيضاحها على شكل نقاط وهي كما يلي  :

1- إن التفاخر بين الناس على كافة المستويات إنما يكون بمقدار المنجز والمقدم والمعروض منهم، سواء كان في مجالات العلوم أو الأخلاق أو الشرف أو النسب أو المادة، فعلى مقدار ما تتوافر الإمكانيات يكون التمايز والتفاخر والتصدير .

 وفي مجال العلم والدين إنما يكون التمايز والبروز والتفاخر والصدارة مقيساً ومقدراً على وفق الخدمات التي قدمتها لهذا الدين والسعي من أجله ومحاولة إثرائه بما يحتاجه أو يُنمِّيه من آلات عدة ومرسخات .

ومن عجيب ما يقال في هذا المجال: إن من كانت بضاعته مزجاة وخدماته لا أثر لها على الواقع والانتفاع منه إن لم يكن معدوماً فهو إلى السلب والنقص أقرب هو الذي يحاول أن ينسب له أي شئ كمحاولة لاغير عسى ولعل أن تؤتي أكلها ويثمر نتاجها فتنسب إليه ولو على سبيل الظن لتكون له رصيداً ينتفع به إذا ماطولب بإنجاز .

 ومن هذا الباب ربما تجد الشيعة يحاولون لتحصيل هذه النسبة وأعني نسبة العلم لهم عسى ولعل أن يرفع به شأنهم وتعلو به مكانتهم ويزيد به رصيدهم.

2- تحقيق التبعية بمعنى أن اللاحق تابع للسابق، فالذي يتقدم ويسبق في التأصيل والتصنيف كل من يأتي بعده ممن يصنف أو يفرِّع أو يحقق، سواء عليه إذا كتب أو نظم أطال أو اختصر جمع كل ما يحويه أو انتقى مسائل يبحث فيها إنما هو تابع له وعالة عليه .

 هذا الأمر أهميته تبرز في جانب البناء والتطبيق العملي إذ أن التابع مهما بلغ من درجة العلم الذي يبحث فيه لن يكون له ذلك الشأن ولا تلك المنزلة الحاصلتان لمن أبدع وأنشأ وكان الَسَّباق في البحث والتصنيف والتبويب والجمع لشتات المسائل .

3- الاستقلالية العلمية والانفراد الفكري، فالمؤصل أو السابق يتمتع باستقلالية من ناحية المادة المطروحة في العلم المبحوث فيه .. هذه الاستقلالية والتفرد تجعله في حصانة من الاختراق وأمان من الانزلاق في مهاوي الغير .

 فلا يجد المخالف سبيلا إلى بث ما يريد بثه أو دس جزء من دسائسه لأن استقلالية المقابل توفر الحماية له من جهة استغنائه بما عنده عن الذي عند الغير . أما التابع والمغترف فلا يأمن من الاختراق ولا يسلم من التأثر إذ أن تابعيته واقتباسه وخصوصاً إذا كان ذلك في الأصول التي يفرع منها ويبنى عليها تؤدي به ضرورة إلى الالتزام بالطريقة وسلوك الاعتبارات الموضوعة في هذا العلم للوصول إلى المراد وتحقيق المطلوب .

 وقد يؤدي ذلك في أكثر الأحيان إلى التحول من الطريقة المعتادة والسلوك التقليدي إلى طريق آخر وسلوك جديد تفرضه التبعية ويحتمه الانسياق للغير والأخذ منه .

4- الدوافع الشخصانية والأهواء والعلاقة مع المقابل أمور تؤثر بشدة في الادعاءات بخصوص النسبة إلى الجهة بالأسبقية .

 ولا أبالغ إذ أقول: إن لها جل الأثر في التخاصم والنزاع حول هذا الأمر وغيره من الأمور. فهذه المؤثرات الذاتية تشعل المنافسة بين الجهات وتدفع بعضها إلى اتباع أي أسلوب ممكن حتى ولو كان غير مقبول لا عقلا ولا شرعا في سبيل إثبات أفضلية يحاول عن طريقها التقدم على الغير والبروز عليه وادعاء أن له الفضل في جانب من الجوانب . ويمكن أن يفسر هذا الجانب بأنه شعور بالنقص وإحساس بالتدني في المجالات المعروضة والمطروحة على واقع ارتكز في النفوس فأفرغ نتائج مفادها محاولة الانتقام من المقابل المعتلي بأي صورة حتى ولو كانت هذه الصورة تتمثل بسلب نتائجه وتبوء مكانه الذي وصل إليه بجهده وسعيه الحثيث وعمله المستمر وتعبه المضني نعوذ بالله من الخذلان .

5- تحقيق المكاسب سواء منها الآنية أو المستقبلية المتيقنة أو المظنونة .. مكاسب يدعو إليها الانتماء إلى الطائفة لا غير؛ لأنه وببساطة إذا كان الإنسان المسلم يسعى في تحصيله أي أمر من الأمور تحقيق المصلحة العليا للإسلام فإنه لن ينظر إلى ذات أو جهة، فأعماله كلها تنصب في مصلحة عليا ألا وهي مصلحة الإسلام وإعلاء كلمته . ولكن متى كان الانتماء إلى جهة والميل إلى طائفة فإنك سوف ترى أهل هذا الميل والانتماء يسعون لتحقيق مكسب يقوون به طائفتهم والجهة التي ينتمون إليها ويسعون من خلال محاولاتهم إلى إبراز طائفتهم كجهة ذات شأن رفيع وأنها هي التي لها الصدارة وهي الواجهة الممثلة والساعية للتحصيل والخدمة حتى ولو كان ذلك على سبيل الادعاء لأن الميل يعمي ويصم، وتقديم مصلحة الطائفة يؤدي ولاشك إلى اتباع أي سبيل لتحقيق المكاسب والوصول إلى الصدارة.

   هذه جملة من الأسباب التي من ورائها تسعى الجهات إلى محاولة الانتساب إلى الأولية في إنشاء العلم، وهي كما تراها أسباب تنافسية مصلحية القصد منها البروز والظهور ومحاولة تحصيل مصالح معينة عن طريق ادعاء النسبة.

والغرض من عرض هذه الأسباب إنما هو معرفة المستفيد والذي يمكن أن يجني من خلال الادعاء الثمرة فإنك إذا وجدت هذه الأسباب أو أكثرها متحققة عند جهة فإنك ستشعر ولو ظنا أن هذه الجهة تحاول الادعاء بنسبة العلم إليها من أجل تحقيق المطلوب من هذا الادعاء. والحكم في هذا للبيب .

نعود الآن بعد هذا العرض إلى الخوض في حيثيات الموضوع محاولين تقريب الأنظار وتوجيهها نحو النقطة المطلوب الوصول إلى نتيجة حولها.

 والموضوع هنا كما أسلفنا هو الخلاف حول الأسبقية والأولية في إنشاء علم الوصول أو علم أصول الفقه، ومن كان السبّاق إلى البحث عن إرساء قواعده وترسيخ مبادئه وبنوده.أهم السنة أم الشيعة ؟

ويمكن للباحث في هذا الموضوع أن ينطلق ابتداء من محوريين:

المحور الأول: المبررات.

المحور الثاني : الأدلة والبينات.

هذان المحوران متى ما تم استيعابهما سهل الحكم إلى حد بعيد في هذا الشأن وفقا للمنظورين العقلي والعرفي. وهذا بيان لهذين المحورين عل الصورة من خلاهما تتضح وتتحدد للناظر في الأمر:

المحور الأول : المبررات : أي مبررات ظهور العلم على الساحة وبروز الاحتياج إليه كمادة علمية أصيلة لايستغنى عنها. ومن هذا الاتجاه ننطلق بالفرقتين إلى الحال الذي عليه أصحابها في فترة نشوء العلم وظهوره. فأهل السنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم - والذي كان في حياته مرجعهم وإمامهم والمبلغ عن الله مراده في الحوادث والمستجدات- افتقدوا ذلك الموجه لهم والمشرع والمبين فعند ذاك برزت الحاجة الماسة والملحة بل الضرورة الواقعة إلى الاستنباط والاجتهاد حيث أن الدين من جهة البلاغ قد كمل اليوم (( اليوم أكملت لكم دينكم )) وقواعده وأحكامه تمت وبالحق قعدت ((وتمت كلمت ربك صدقا وعلالا)) ولم يبق بد أمام الصحابة آنذاك ومن عاصرهم ومن جاء بعدهم إلى استخدام هذه الآلات والتبحر في الدلائل والآيات والغوص في المعاني والبينات للوصول إلى الحكم في الحوادث والمستجدات . هذا الحال جعل من مسأله جمع شتات الأصول المترسخة في العقول تحت أبواب وفي ضمن تشكيلة علمية مسألة حتمية لا محيد عنها ولا سبيل سواها لانضباط الفقه والاستنباط والاجتهاد .

 يقول صاحب مقدمة ( العدة في أصول الفقه ) :

(ويرجع تاريخ شأن هذا العلم إلى القرون الهجرية الأولى وبالتحديد فانه بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام أحسن الفقهاء بالخلل الذي حصل لهم حيث كان الرسول هو المرجع الأول والأخير في بيان الأحكام الشرعية وكان الصحابة لا يواجهون مشكلة إلا وسألوا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت تأتيهم الأجوبة وافية شافية , لكنهم بعد أن فقدوه عليه الصلاة والسلام أحسوا بعظم المصيبة وفداحتها خاصة وأن الإسلام بدأ ينتشر وواجهوا المستجدات ومشاكل لابد من العثور على الجواب المناسب لها بحيث لا يتعارض مع الأصول الثابتة للإسلام ومن هنا انقدحت وبرزت عندهم بذرة علم الأصول ([1])، فها هنا أشار الباحث إلى المبررات الدافعة لإنشاء هذا العلم على أسس وقواعد ثابتة وجمع شتاته , كما أشرنا إليه سابقا ومن انتشار الدين الإسلامي بحيث ضمنت هذه الحالة جعل العلم وحصره وضبطه ويستطرد بعد ذلك موضحا لما آل إليه الحال من العمل والاتجاه نحو المطلوب حيث قال ( فبدأ الصحابة بأعمال بعض القواعد الأصولية المستقاة كالأدلة اللفظية والعقلية واستعانوا في استخراج بعضها بالسنة النبوية الشريفة فكانوا يحملون الأوامر الواردة في الكتاب والسنة على الوجوب والنهي على الحرمة ويجمعون بين الخاص والعام يحمل العام على الخاص وتخصيصه والمطلق على المفيد وتقييده والعمل بظواهر الكتاب والسنة وحجية ظاهرهما ومحل المتشابه من الآيات على محكماتها والاعتماد على الإجماع وخبر الثقة والمتواتر وغيرها من القواعد الأصولية ([2])) .

فهذا هو العمل الذي قام به الصحابة عمل مضني وشاق تبرز فيه شخصياتهم ويبرز فيه تفانيهم من أجل حفظ هذا الدين وصيانته من أن يدخل إليه تحريف أو دس من الأعداء المغرضين والمتربصين به.

ولم ينته العمل عند هذا الحد فالصحابة حووا المسائل الخاصة بهذا العلم واستخدموها لكن لم يجمعوها حاصرين لها وكانت النتيجة (كلما بعد المسلمون عن عصر الرسالة وتطورت الأمور والأحداث عندهم وواجهوا المشاكل ومستحدثات جديدة ([3])) هكذا الحال فكلما احتاجوا إلى إيضاح أصل أو جمعه أو التصريح جاءوا به وأعملوه وحفظوه للغرض الذي ذكرناه من تحقيق الانضباط والصيانة التامة للدين ومسائله والفقه واستنباطه .

إذن: هذه المبررات التي برزت عند أهل السنة ابتداءً مباشرة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم والتي من أجلها وبسببها سارعوا إلى جمع هذا العلم واحتواءه والتصنيف فيه .

أما الجانب الآخر وأقصد فيه: الشيعة ففي هذه الفترة أي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم وحسب اعتقادهم يرون بأن انقطاع النبوة لا يعني انتهاء الأمر الإلهي والفيض الرباني بل هو مستمر من خلال أناس نصبهم الله لهم أئمة وظيفتهم من ناحية الدين وظيفة الرسول فهم مبينون  موضحون لما استشكل ومفسرون للقرآن وأصحاب الفتوى واتخاذ القرار في الحوادث والمستجدات.  

فلم يكونوا محتاجين والحال هكذا إلى اجتهاد أو استنباط للتوقف تماماً عند تجدد الحوادث على المعصوم المنصوب إماما بينهم .

 (وأما الشيعة الإمامية فإنهم كانوا في غنى عن هذه القواعد واستعمالاتها إلى بداية عصر الغيبية الكبرى (منذ 329هـ) لاعتقادهم بأنه وإن انتهى عصر التشريع بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام ولكن الأئمة المعصومين عليهم السلام كانوا امتداداً له عليه السلام في بيان الأحكام وتبليغه وتفسير القرآن والسنة وبيان المقصود من ظاهرهما .

 فكانت الإمامية مستغنية مدة قرنين ونصف عن قواعد علم الأصول ومعطياتها لسبب بسيط ألا وهو: وجود المرجع والمصدر الذي يمكن الركون إليه والاعتماد عليه في مواجهة المستحدثات، وهذا المرجع هو الإمام المعصوم([4]).

 فهذا العرض المقدم هو لمجمل المبررات المترددة بين الفرقتين والتي يتضح من خلالها أن المبررات والدوافع التي أدت إلى كتابة هذا العلم وجمعه على شكل ضوابط وأصول إنما كانت متحققة عند أهل السنة بكل ما تحمله كلمة الحاجة والدوافع من معنى بخلاف الشيعة وحسب ادعائهم واعتقادهم أنهم لم يكونوا بحاجة إلى هذا العلم أصلاً حتى مرت حقبة طويلة من الزمن.

المحور الثاني: الأدلة:

ونقصد بالأدلة هنا الوقائع التاريخية المثبتة للأولية والتقدم في تصنيف وجمع هذا العلم، بمعنى أنه عند البحث والتنقيب والتفتيش عبر الأزمنة عن الوثائق التاريخية والتي بدأ فيها العلماء بجمع هذا العلم أين يمكن أن نجد أول من صنف في هذا العلم وعلى أي الفرقتين يحسب من حيث النسبة والتبعية، فكما ذكرنا في بداية البحث أن الدعاوى كثيرة وعرضها سهل ولكن العبرة بالأدلة المثبتة لهذه الدعاوي وأهليتها للإثبات من عدمه  فما كل ما يقال يقبل كما قيل .

ومن الناحية التاريخية ومن خلال المعروض من التصانيف نجد أن أول مصنف مكتوب يجمع بين جنبيه شتات مسائل هذا العلم وهو كتاب ( الرسالة ) للإمام الشافعي رحمه الله، فهو وباعتراف الجميع يعتبر أول وثيقة تاريخية يمكن أن يستند إليها في إثبات أولية التصنيف لهذا العلم،  فهي تحوي في طياتها مباحث شاملة وافية لمتعلقات هذا العلم..

 ونحن إذ نعرض الوثيقة ليس المقصود منها كما هو معلوم إثبات الاختراع لهذا العلم  وإنما الإخراج له للعيان بمعنى أنا كما قررنا أن هذا العلم تزامن وجوده وانتشاره وخروجه للواقع مع موت النبي عليه الصلاة والسلام فالصحابة كانوا على علم تام بحيثيات هذا العلم فهم أهل استنباط واجتهاد .

 وإنما كلامنا عن الذي قام بجمع هذه الحيثيات ووضعها في مباحث مستقلة إرشاداً وحصراً وصيانة وحفظاً.

 ومما ذكر في هذا الحيز قول الكتاب: (( وتتمثل قمة التطور في علم الأصول في تلك العصور عند أهل السنة بظهور كتاب الشافعي الذي عده أهل السنة أول مدونة في هذا العلم )) ([5]).

ويقول الشيخ محمد أبو زهرة: (والجمهور من الفقهاء يقرون للشافعي بأسبقية بوضع علم الأصول ([6])).

 ثم ينقل عن فخر الدين الرازي قوله: (( اعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم النطق والخليل بن أحمد إلى علم العروض)) [7]  .

أما في الطرف المقابل (الشيعة) فلا تكاد تجد وثيقة تثبت ذلك، إذ أن التصنيف عندهم بدأ متأخراً أو ربما بدأ من حيث انتهى عند أهل السنة، فالمشهور عندهم القول بأنهم إنما بدءوا بالتوجه إلى هذا الشأن عندما انتهى عند أهل السنة حيث يقولون: (( وعند ذاك – الغيبة الكبرى للإمام 12- بدأ العصر التمهيدي في علم الأصول عند الإمامية بعد أن كانت العامة وأهل السنة قد اجتازت هذا العصر وخطت خطوات كبيرة في مجال تطبيق القواعد الأصولية ودخلت عصر التصنيف وهو عصر وضع البذور الأساسية وجمع شتات القواعد العامة الصادرة عن الأئمة ))[8].

إذن: فهذا هو الحال فان التأخر الزمني متحقق ولا يمكن انكساره حتى عن الشيعة أنفسهم لأنهم مع اعتقادهم أن الأئمة معصومون وأنهم ليسوا بمجتهدين وأن وظيفتهم هي امتداد لوظيفة الرسول وإتماماً لها ألزموا أنفسهم حقيقة انتفاء الحاجة لهذا العلم في ذلك الوقت مع ثبوت تلك الحاجة لأهل السنة البعيدين كل البعد عن هذا المعتقد وعن الالتزام به .

بقي أمامنا في هذا المحور عقبة يجب إيضاحها ونزع الالتباس المتعلق بها والتي يدندن حولها بعض المكابرين والمتكبرين من الشيعة الذين يرفضون الانصياع والقبول لهذه الحقيقة. هؤلاء القوم جاءوا بدعوى مفادها أن من أصحاب الأئمة من كتب في هذا العلم زمن الأئمة، فالأول: هشام بن الحكم والثاني: يونس بن عبد الرحمن وهما من أصحاب الإمامين الصادق جعفر بن محمد والكاظم موسى بن جعفر وعلى زعمهما أنهما قاما بوضع كتابين هما: ( كتاب الألفاظ ومباحثهم ) ( كتاب اختلاف الحديث).

وزعموا بأنهما أسبق زمناً من الشافعي وهذا ما ذكره السيد الصدر حيث قال: (( قد تقدم يعني في التصنيف على الإمام الشافعي في التأليف فيه هشام بن الحكم ثم يونس بن عبد الرحمن[9] )).

وهذا مردود ومن وجوه عدة يحتاج الموضوع إلى فرشها فلذلك ينبغي بيانها وكما يلي:

أ- إن الشيعة وحسب اعتقادهم لم يكونوا محتاجين إلى الأصول في زمن الأئمة لأن مطالبهم كانت مجابة من قبل الأئمة وحاجاتهم ملباة فهم وكما ذكرنا آنفاً في غنى عن هذا الأمر إلى الحد الذي يمنع ورود هذا العلم أصلاً في مخيلتهم بل حتى لو تساهلنا ومررنا وقلنا إنه موجود فايضاً لا حاجة له به للانشغال عنه لوجود من يتبنى منصب البيان والتبليغ والجواب عما يرد ويستجد من الحوادث فكيف يستقيم والحال هذا , ادعاء أن هذين العالمين كانا ممن صنف في هذا العلم وانشغل به.

ب- العبرة كما هو معلوم بالنسبة للحكم إنما هو التحقق والوجود، فرسالة الشافعي موجودة فلها قيام وكيان يشهد به كل أصحاب هذا العلم إن لم يكن الناس جميعا.

 ولكن أين يمكن أن نجد هذين المصنفين وهل لهما حقا وجود ثابت , فالسيد حسن الصدر عندما تكلم عن هذين المصنفين أسند ذكرهما إلى كتاب وجعل العهدة عليه، فقال في كتابه: ( ذكرهما أبو العباس النجاشي في كتاب الرجال[10] ) والحقائق إنما تؤصل إذا كان لها ثبوت وقديما قالوا اثبت العرش ثم انقش . فأين الثبات في هذا الأمر وكيف يمكن مع عدمه تحقيق المقارنة مع كتاب موجود ومؤصل بل ادعى بعضهم الإجماع على كونه أول ما وضع كما ذكر ذلك السيوطي في كتابه الأوائل بقوله: ((أول من صنف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع[11] )).

 وقال ابن خلدون: ( وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله عنه أملى فيه رسالته المشهورة , تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخير والنسخ , وحكم العلة المنصوصة من القياس[12] )).

 وقول الآخر: (( وما قيل من أن غيره هو الذي دون الأصول فمردود [13])).

ج-  ومما ينبغي الإشارة إليه أن هذه المباحث على تقدير وجودهما لم تكن على شكل مصنفات بل هي كما أخبر السيد حسن الصدر كانت إملاء[14] وأن الإمامين أمليا على الناس، وفرق كما هو معلوم بين التصنيف والإملاء، فالإمام الشافعي صنف في هذا العلم وجمع أبوابه ورتبه , أما الإملاء فمهما يبلغ فلا يعد دروسا تم إلقاؤها على طلبة لا تترقى إلى درجة التصنيف والتأليف والكتابة .

د- الأمر الآخر والمهم: وهو أيضاً ينبني على تقدير وجود هذين المصنفين، وذلك أن مواضيعها إنما هي عبارة عن أجزاء من العلم أو جزء من العلم فهي أبحاث غير متكاملة، فالأول يتعلق بمباحث الألفاظ وهو المنسوب لهشام بن الحكم فهو إنما أخذ هذه الجزئية بخصوصها وقام ببحثها والآخر تكلم عن اختلاف الحديث وهو يونس بن عبد الرحمن وهذا مع جزئيته فهو من المباحث المشتركة التي يشترك فيها علم الأصول مع علم الحديث .

 فكيف نكون والحال كما هو واضح صحة المقارنة بينهما وبين مصنف الشافعي الذي حوي مسائل العلم مرتبة موضحة ومجموعة على وفق تنسيق علمي وترتيب منهجي لم يسبق إليه.

إذن: فمن خلال هذين المحورين يتضح لنا وبجلاء تمام الأمر وملابساته وعند أي فرقة من الفرقتين تتحقق المبررات والأدلة ولكن ورغم كل ما ذكرنا ينبغي علينا أن لا نتسرع في الحكم ولذلك سنقوم بإجراء عملي وتحقيق واقعي يتضمن الغوص في أصول فقه المتأخر أعنى الشيعة وبصورة عملية ومختصرة لنرى التأثر بالمتقدم إن وجد والمنهج هل له أصالة أو تبعية هل هو مؤسس أولاً وابتداء أو مأخوذ من الغير.

سؤال يطرح نفسه بقوة وخصوصا للمطلع على سبيل البحث في ما صنفه الشيعة من كتب في علوم أصول الفقه مفادها أو صياغته:

 هل كان للشيعة خط مستقل متفرد في كتابة الأصول وتقعيد القواعد يستقلون به عن غيرهم ولا يلتقون به معهم؟

 ومن جهة أخرى وعلى فرض انفراد الشيعة واستقلاليتهم: هل كانت الأصول المطروحة محل اتفاق بينهم؟

 وهل الخلاف معدوم فيما يتعلق بالمسائل الأصولية؟

 وهل يمكن الاستناد والتوجه إلى أصول معينة يمكن أن تقول عنها أو نحكم عليها بأنها أصول الشيعة؟

أسئلة كثيرة مطروحة وغيرها كثيرة يتفتق عنها الذهن حال مطالعته لأصول الفقه الشيعية .

 والغرض من طرح هذه الأسئلة ليس التشكيك أبدا وإنما هي واقع متجسد تتضح ملامحه كلما قرأت في كتبهم أو اطلعت على تصانيفهم .

والإنصاف في هذا المجال يقتضي عدم إهمال الحقب الزمنية في الكتابة بل تتدرج فيها ابتداء من الأول المتقدم وصولا إلى المتأخر لمعرفة ما كان أصلا ابتدائيا وما طرأ من تغيير وتحديث تجدد على هذا الأصل .

وحسب ما يذكره العلماء أن أول كتاب شامل للمسائل الأصولية حاو للخلاف مجموع فيه ما يحتاج إليه الأصولي (العدة) للطوسي حيث يذكر صاحب المقدمة على اكتتاب أن هذا المصنف لعله أول كتاب مبسوط في هذا العلم عند الإمامية[15] .

 فما الذي يجذب النظر وما الأمور التي تبرز للمطلع على هذا الكتاب حال قراءته إياه. والتي ثبت أنه لم يخرج عمن سبقه من الأصوليين والتي هي من الوضوح بمكان بحيث لا يمكن إنكارها ولا حتى التشكيك فيها وهي كما يأتي:

1- أن الكتاب على سعته وعلى غزارة المادة المعروضة فيه لم يأت بجديد من الناحية التأصيلية ومن الناحية التأسيسية بل الذي قام به لا يعدو عرضاً للمسائل الأصولية مرتبة على الأبواب حسب الترتيب المتبع لهذا العلم مستوعباً لمباحثه و التي هي عينها المباحث المطروحة أصالة وتأسيسا عند أهل السنة .

 وكأنك حال قرأتك إياه يتبادر إلى ذهنك أنه ردة فعل لسبق أهل السنة في التصنيف ومحاولة ولو كانت متأخرة لمجاراتهم ومنافستهم في هذا العلم الجليل.

2- أما عن المنهج العام للكتاب وأعني به طريقة ترتيب المباحث والمادة المعروضة فيه في أبوابه وفصوله فكانت على الوجه الآتي :

- ابتدأ الكتاب بمقدمات تعريفية عن الفقه وأصوله والعلم وأقسامه والأدلة والمستفيد منها ثم الكلام وما يترتب عليه عن أقسام وأنواع وأحكام والكلام عن الخطاب وأقسامه ومتعلقات حكمه والخبر وحكمه وما يتفرع من المراد منه والرد على من خالف فيه ممن أنكر حصول العلم به .

- أما في ما يتعلق بالمباحث الأصولية ذات الخلاف والأخذ والرد فتراه يعرض أصل المسألة ثم الخلاف ويختار منها قولاً ثم يبدأ نقاشه لهذا القول .

- وفيما يتعلق بالأقوال المعروضة في مقدمات الأبواب وبدايتها فالعجيب في الأمر أنك لا تجد إلا أقوال أهل السنة على اختلاف فرقهم من متكلمين ومعتزلة وفقهاء.

وتجد مع ذلك التصريح بأسمائهم كالشافعي ومالك والقاضي عبد الجبار وغيرهم من العلماء الذين يمثلون الصدارة عند أهل السنة أو هم محسوبون على أهل السنة من حيث الجملة.

والمؤثر في طرح هذا الأمر أن المرجعية الحقيقية لهذا الصنف إنما هو المذكور من العلماء والمطروح من المكتوب في هذا المجال والمسند واقعا إلى هذه الثلة من المدارس الأصولية والتي هي محسوبة لا على الشيعة وإنما على فرق أهل السنة ولعلماء أهل السنة،  مما يؤدي التزاماً إلى الحكم بأنه لا مرجعية حقيقية من جهة الشيعة لهذا العالم وإلا فما الداعي لهذا الانتقال وإلى هذا التغيير في المسار على الرغم من كل الفجوات والسدود والموانع الموجودة حقيقة أو حكماً بين الفرقتينن.

 وللتدليل على هذه الواقعة والإشارة إليها نضع بين يدي المطلع أوجه إلى  بعض المراجع التي يتحقق فيها المذكور. وإلا فالكتاب كله دليل بما يحويه وما يحتويه من مواضيع ومباحث. فمثلا.

-فصل في ذكر الخبر الواحد وجملة من القول في أحكامه .

- في ذكر حقيقة الأمر وما به بصير أمراً. 

- في ذكر مقتضى الأمر هل هو للوجوب أو الندب أو الوقف أو الخلاف فيه

      - في ذكر حقيقة الأمر الوارد بعد الحظر هل يتناول الأمر الكافر والعبد كما يتناول المسلم والحر.

- في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا 

- الكلام في العموم والخصوص.

إلى غير ذلك من المباحث التي يتضمنها الكتاب والتي لا تخرج عن كون المنقول فيها إنما هو عبارة عن أصول من سبقه من أهل السنة . إذن ما العمل الذي قدمه الطوسي وما نتاج وأثر فعله .هذا ما نشير إليه في النقطة التالية :

- أما عن العمل الذي قام به فلا يعدو كونه تحقيقا، فهو بعد عرض المسائل وذكر الخلاف الوارد فيها يميل برأيه إلى ترجيح أحد هذه الأقوال والتدليل عليه بما يقويه سواء كان ذلك التدليل فعليا أو عقلياً وإن احتاج المقام إلى الرد على من خالفه في ترجيحه رد .

 وهذا يدلل بنفسه وبقوة على أن الأصل الموضوع لا يخرج عن المنقولات في هذا العلم من الأقوال السالفة المنقولة عمن سبقه من أهل العلم والذين هم من أهل السنة طبعا بلا نزاع .

- الجدير بالذكر أنك لا ترى استقلالية لهذا العالم في التأصيل والترجيح إلا في المسائل التي تتعارض مع الثوابت المعتمدة عند الإمامية والتي في إثباتها رد وإبطال لعقيدة عندهم ولثابت وارد عن أئمتهم فيكون العمل في هذه الحالة متمثلا بمحاولة تأويل القاعدة الأصولية تأويلا يتناسب مع  ما يعتقدون ويحملونه محملا يتماشى مع ما يؤمنون، كما في مسألة الإجماع فهو اعتقد ثبوته على اعتبار أن الأمة لا يجوز أن تجتمع على خطأ وأن المجمع عليه لا يكون إلا حجة، وفي هذه النقطة بالذات أدخل معتقد وهو أنه لا يخلو عصر من العصور من إمام معصوم حافظ  للشرع  فمتى ما اجتمعت الأمة على قول فلا بد أن يكون حجة لدخول الإمام المعصوم في جملتها [16].

هذا مثال واضح يبين أنه لم يختلف عن غيره من القائلين بهذا القول، لكنه حمله على محمل يتماشى مع الأصول والثوابت العقدية المقررة عندهم .

وكذلك عندما نفوا القياس فهم لم يأتوا بجديد، فالظاهرية أيضا لا يقولون بالقياس ولكن نفيهم إياه كان من جهة السمع، فالقياس مع ثبوته سمعا يترتب عليه إثبات الاجتهاد إثباتاً شرعياً وهذا العنصر يتنافى مع الاعتقاد بالإمامة وأنه منصب شرعا لبيان الأحكام وتبليغها لإمكان العوض عنه بالاجتهاد .

 فهذا هو الحال في المسائل التي  لا تتماشى مع الأصول والثوابت عندهم، فهو عندما يختار قولا لابد أن يكون لهذا القول أصل وسابق جاء به لكنه يختاره لأنه يتماشى مع أصوله ويحمله على محمل موافق ومجاري لما يعتقده .

فالنتيجة الحتمية والقرار النهائي الذي لا يجزم المنصف وهو يقرأ هذا الكتاب إلا به أن كل المذكور في هذا الكتاب إنما هو مأخوذ ممن سبقه من العلماء الذين كتبوا في هذا العلم والذين أصلوا ورسخوا القواعد ووضعوا الضوابط من علماء أهل السنة بل إنك إذ تبحث فيه ترى أن السابقين له وصلوا إلى درجة عالية جدا في هذا العلم درجة أوصلتهم إلى الخلاف فيه والاستدلال للآراء والتفصيل في ذكر التفريعات بحيث أنهم لم يبقوا احتمالا يمكن أن يرد في المسألة إلا وأتوا به وقتلوه بحثاً ودراسة واختباراً وتطبيقاً .

ولم يكن من صاحب كتاب العدة أو غيره من المتأخرين إلا الأخذ على الجاهز والانطلاق من مساحة وأرضية مهيأة تهيئة كاملة، فهم عالة في الكتابة وعالة في الاختبار وعالة حتى في التفريع والاستدلال . فيا ليت شعري كيف يتجرأ متجرأ ويقول بعد كل هذا: إن الشيعة هم الأسبق إلى علم الأصول لا والله لا العقل ولا الواقع و لا أصول الشيعة العقدية تقبل الاستسلام أو الأخذ بهذا القول! وما دليل القائل به إلا المكابرة والعجرفة الفارغة . فمن أين نأتي بالدليل على قوله والحجج كلها دافعه له  وأداة عليه مثبتة بلا أدنى شك.

أن السنة هم أصحاب هذا العلم ابتداء من نشأته وتصنيفا وكتابة وتأصلا وتفريعاً..والحمد الله على الفضل والإنعام .

وبعد هذا الاستعراض الموجز والسياحة في ميدان كتاب العدة ننتقل انتقالة بحثية ذات طابع استدلالي في كتب علماء الشيعة ونخوض فيها مخاضاً نتوصل من خلاله إلى تأكيد ما وصلنا إليه، ولإثبات تلك الحقيقة من خلال المعروض عندهم بحيث لا يدع مجالاً للشك والربيب والتردد من القول بأسبقية أهل السنة وأصالتهم في هذا العلم .

عند مراجعة كتب الشيعة والتي ألفها المحققون منهم لا ترى فيها شيئا جديدا بل إن المباحث على تعددها والطرح على سعته تجده رتيباً تقليدياً خال من أي إبداع وبعيد عن أي إحداث لا يعدو نقل ما أثر عن السابقين وصياغته صياغة فيها نوع تحكم باللفظ وإدخال الغريب منه لإكسائه صورة قد تبدو جديدة ..

وفي ثنايا هذه الكتب تجد جليا تأثر علماء أصول الشيعة بالأصوليين السنة تأثراً قد يخرج عن حد الاقتداء والتأسي، بل يصل في كثير من الأحيان إلى الاستنساخ الكامل والتقليد الأعمى الذي يصل بالقارئ أو الباحث على حد سواء إلى الحكم بالتبعية المطلقة لأهل هذه الجهة (أعني: الشيعة )لغيرهم (وهم أهل السنة ) في مجال أطروحات هذا العلم.

و للتدليل على هذه المقدمة نشير إشارات ونوجه توجيهات إلى بعض المرام والتي تكفي كفاية تامة في الوصول إلى المراد و تثبيت المطلوب.وهذه الإشارات هي:

1-في بعض المسائل الأصولية ومن باب التأصيل العلمي للمسألة والحصر المنطقي لجوانبها تجد العارض لهذه المسألة يقف عند حد معين في الطرح حد يخونه فيه التدليل ويتخلف فيه عنه الاستدلال فيقع بين أمرين أحلاهما مر.

إما ترك المسألة وهذا يؤدي إلى الكسر في التأصيل والنقص الواضح في الطرح والذي هو بحد ذاته خلل في البحث قد يؤدي إن لم يؤد إلى رفض الطرح كله , أو البحث عن دليل أي دليل في كتب الأصول حتى ولو كان من كتب المخالفين بل حتى لو كان ذلك الدليل يرويه من لا يعتبرون بل من يظهرون له العدوان ويشنون عليه الهجوم تلو الهجوم .

من ذلك ما يدلل به على مسألة من مسائل الأمر و المتمثلة بالعنوان التالي: (هل الأمر يفيد التكرار) و معناها: أن الأمر إذا صدر من الشارع هل يفيد بنفسه وجوب تكراره سواء كان ذلك التكرار من جهة الأمر نفسه أو الأفراد الداخلين تحت الأمر ولا يرفع ذلك التكرار إلا بدليل خارج عن حدود الأمر نفسه أولا.

 هذه هي المسألة الأصولية من حيث الطرح إجمالاً, لكن ما الدليل عليها وكيف نوجه المراد منها إثباتاً أو نفياً من حيث التأصيل الشرعي؟

لم يعثر المحققون الشيعة على أي أثر عندهم يستندون إليه بخصوص هذه القضية وطرحها من الخطأ الذي لا يغتفر فهي من الركائز الأصولية القوية والراسخة في مباحث الأمر.

 إذاً لم تبق إلا طريقة واحدة للخروج من هذا المأزق الكبير والمتمثلة بالرجوع إلى المنبع الأصلي.

لهذا العلم المنبع المتكامل من جهتي التأصيل والتدليل العلمي والذي تجد فيه ضالتك خصوصاً إذا كنت فقيراً من حيث المادة والدليل لا غرض عندك ولا عمل لك سوى الاقتيات على الآخرين والسعي وراءهم عسى أن يحصل بعضاً مما عندهم خلسة وهم لا يشعرون.

 وهذا الذي حصل هنا فالتدليل غير متوافر والدليل غير موجود فالحل إذاً أن نرجع إلى أصحاب الفضل علينا من أهل السنة لنأخذ منهم الدليل.

 وهذا ما فعله صاحب كتاب نهاية الأفكار حيث استدل لهذا الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم )[17].و استدل به على التكرار؛ لأن التعليق هنا مربوط بالاستطاعة و هي تعني المداومة على قدر المستطاع.لكن الجدير بالذكر أن هذا الحديث مأخوذ من كتب أهل السنة ويرويه أصحاب الحديث من أهل السنة بل يرويه أبو هريرة رضي الله عنه نفسه.

 وإليك نص الحديث كما رواه الإمام مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :(خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا ,فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت و لما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتم ,فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)[18] .

الدليل كما هو مأخوذ من أهل السنة بل من ألد أعدائهم ومن يسبحون بشتمه والطعن فيه أبو هريرة نعوذ بالله من الخذلان.

 وفي هذا المقام مع هذا المثال لا يفوتني التنويه إلى أمر مهم فعله صاحب كتاب (نهاية الأفكار) و هو المحقق العراقي حيث أنه في مقام الاستدلال على هذه الواقعة لم يجرؤ أن يأتي بالحديث كاملاً هذا من جهة، ولم يكلف نفسه التصريح باسم الراوي للحديث وهو أبو هريرة وما دفعه لهذا الفعل إلا خوف الفضيحة بالإعلان فهو إذا أعلن بالاسم صراحة والحديث كاملاً دل فعله هذا على الاعتماد الحقيقي و الرجوع الفعلي الواقعي إلى أهل السنة في هذا الشأن والأمر الأخر يفتح عليه باب جهنم؛ إذ كيف يعتقد بطلان الروايات المنسوبة إلى أبي هريرة والموجودة في كتب أهل السنة ثم يعتمد عليها وهذا تناقض لا يجمع بينه إلا المكابرون المعاندون أصحاب المصالح والأهواء الغارفون من أي إناء, لذلك احتال حيلة وسلك درب الخيانة باقتطاعه جزءاً من الحديث بدون نسبته إلى رواية أو إشارة إلى المصدر الذي منه تلقى هذا الدليل.

على أية حال: فالأمر واضح ولا يخفى على أصحاب الاختصاص والفطنة .

 المهم غرضنا هنا هو البيان لمربط المثال والذي يتمثل بما ذكرنا من اعتماد علماء الشيعة على أهل السنة وتبعيتهم لهم في هذا المجال، وقد اتضح لنا ذلك بيناً في هذا المثال المضروب في هذه الجهة .

2- إن الأصول إذا كانت مستقاة من مصدر التلقي المتبع عند جهة معينة أو كان نابعاً من فرقة لها خصوصية فإنك والحال هذه تجد مخرجات هذه الأصول لا تخرج عن حدود هذه الفرقة ولا تتجاوزها إلى جهة أخرى أو تتعدى الإطار العام الموضوع لهذه الجماعة .

 حتى الخلاف إن ورد بينهم تجده محصوراً في نطاق وحيز محدد لا يتجاوز الخلاف المتعلق بعلم الأصول. وهذا أمر معلوم لا يختلف عليه اثنان ولا يتناطح فيه كبشان. واللازم المترتب على هذا الأمر هو أنك إذا أدخلت أصولاً من جهة خارجة أو اعتمدت على الغير في البناء التأصيلي فإن المبني على الإدخال لابد أن يكون جديداً أو وافداً غير متعارف عليه في المنقول الفقهي للجهة الآخذة المتلقي ويؤدي إلى إبراز أثر الغير على الواقع العملي والسير من حيث لا يشعر خلف الجهة المأخوذ منها .

 وهنا وفي هذا المجال بالتحديد فإنك في معرض النقاش الحاصل بين محققي الشيعة من الأصوليين تجدهم يقرون صراحة بأن الاعتراف بأصل من الأصول أو الإقرار به يؤدي إلى إدخال فقه جديد وهذا ليس لكون الأصل غير صحيح، بل لأنه ليس من عندهم كباقي الأصول الأخرى والتي إن أدخلت أدت إلى تغيير في مسار الفقه المتعارف عليه، وللتدليل على هذه الواقعة وفي باب القاعدة الأصولية التي تقول بأن الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح بمعنى أنه إذا ورد دليلان متعارضان فإن الجمع بينهما بأي وجه من وجوه الجمع المتفق عليها أولى من طرح أو رفض أحد هذين الدليلين .

 هذه القاعدة الأصولية لم تكن معروفة عند الشيعة وذلك بتصريح محققيهم..

 فالوحيد البهبهاني قال: (إن هذه القاعدة لم تكن طريقة قدمائنا أي زمان الشيخ الطوسي)[19]

 إذاً: هذه القاعدة دخيلة عليهم باعترافهم ولم تكن معروفة عندهم هذا من جهة .

ومن جهة أخرى وفي مقام الاعتراض على هذه القاعدة نجد أن الاعتراض إنما يبرز في الأثر المترتب على هذه القاعدة بحيث هل يكون لها مقبولية في التطبيق العملي  أولاً .

يقول المعترضون: إن العمل بهذه القاعدة بظاهرها يوجب لسد باب الترجيح مع كثرة الروايات الواردة في الترجيح بين الخبرين المتعارضين [20].

ويقول غيرهم: إن العمل بهذه القاعدة بظاهرها و إطلاقها يوجب تأسيس فقه جديد [21].

 وأما المعترض الآخر فيصرح بأن العمل بهذه القاعدة بظاهرها  يوجب الهرج في الفقه كما لا يخفى[22] ..

فانظر إلى النتائج المترتبة على الجمع بين الأدلة حسب ادعائهم (فقه جديد، سد باب الترجيح الهرج في الفقه) نتائج خطيرة إنما ولدها مدخولية هذا العلم بينهم وتطفلهم عليه بحيث أنهم ينطلقون من قاعدة بعيدة كل البعد عنهم والصدمة الحقيقية لهم إنما تحدث عند التطبيق والممارسة الفعلية لها .

فهم ابتداءً مقلدون تقليداً أعمى في نقل الأصول وتدوينها وترتيبها وبعد أن واجهتهم مشاكل في التطبيق حاولوا التذليل للأصول للوصول إلى طريقة تتماشى مع سيرهم ونهجهم العام، وبعد التعذر عند الاستعمال لبعض تلك الأصول وصلوا إلى حقيقة الاعتراف بالخطر المدوي لها والمآسي المترتبة عليها، لذلك فإنك تجد هذه الاعترافات ومحاولة التوجيه للقواعد إنما هي موجودة عند المحققين منهم الذين جوبهوا بضربة قاضية مفادها ظهور الأثر عياناً لأصول الفقه السنية في الفقه الشيعي إن استمر الحال بالأخذ بهذه الأصول على وفق طريقة الاتباع المباشر والتلقي غير الموجه والممحص لهذه الأصول والقواعد .

 وهذا ظاهر لا يحتاج حتى إلى إشارة اليد؛ لأنه السلوك الطبيعي الذي يجب أن يسار عليه مع المعطيات المأخوذة من الواقع الخارجي والمتمثل بتطبيق الأصول على الفروع، فيا ليت شعري أي مستكبر عديم الحياء يجرؤ على البوح بأن علم أصول الفقه ليسوا عيالا فيه على أهل السنة .

3- إمعاناً في إثبات هذه الحقيقة تبرز عندك قضية أخرى ارتكازها وظهورها في كتب المحققين مفادها أن الاستدلال على قضية ما قد يتعذر عندهم ولا يجدون مع البحث فيما عندهم من يستدل على هذه القضية، فتبقى معلقة لا هي ثابتة من حيث الدليل بحيث يمكن إبرازها ولا هي متروكة مهملة لعدم وجود دليل .

يثبتها مع الإشارة إلى الاحتياح إليها كنقطة هامة لا يمكن تجاهلها فما هو الحل والأمر على هذه الدرجة من الخطورة و الأهمية؟

 الحل أن يضطروا إلى نقل استدلال وتوجيه أحد علماء الأصول عند غيرهم وذكره . وهذا الذي حصل ,ففي مسألة الاستدلال للقول بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته مطلقاً اضطروا إلى الأخذ باستدلال القاضي أبي الحسن البصري صاحب كتاب المعتمد وأوردوه في الباب سداً للإشكال الحاصل عندهم ودرأ للمفسدة المتحققة عندهم، فالقاضي أبو الحسن البصري استدل على القضية بأنه لو لم يحب المقدمة لجاز تركها وحينئذ فإن بقي الواجب على وجوبه[23] يلزم التكليف بما لا يطاق و إلا خرج الواجب المطلق عن وجوبه وهذا الاستدلال ذكره محققوهم وأوردوه في كتبهم وغيره كثير ومظانه كتب محققيها لمن أراد الاستزادة..

  وإنما نحن هنا في مقام بيان وإشارة ووضع النقط على الحروف وإعطاء الحق لصاحبه، فهذا حقيقة الذي يجري في ثنايا كتب أصولهم حتى في مجال الاستدلال الفعلي لا يجدون بدا ولا سبيلا عن الاحتذاء و التسول من الآخرين .

4-إن حقيقة الذي يجري رسم صورته قد تجلت للعيان ويزيد في تجليها علمك بأن مباحث كاملة تجدها مطروحة للتداول في كتب أصول الفقه الشيعية ومأخوذة بالكامل من أهل السنة بلا تغيير ولا تبديل ولا إضافة ولا تحويل . حتى في مجالات كالتمثيل للقاعدة الأصولية أو الاستدلال لها أو النقاش الوارد في سياق الاستدلال إثباتاً له أو نفياً .

 والأمثلة عن هذه الوقائع أكثر من أن تحصى و أكبر من أن تحد و لكن كعادتنا نشير لك إشارات و إن أردت الاستزادة فالدرب واسع وكتب الأصول والحمد لله موجودة فمباحث الأمر والنهي على سبيل المثال على تعدد أبوابها واختلاف معلقاتها هي مأخوذة جملة وتفصيلا بلا استثناء من كتب أهل السنة أدلة ونقاشا واستدلالا .

بل إن مبحث النهي يقتضي الفساد تجد المثال نفسه والخلاف بنفسه و المتمثل بالحكم على الصلاة في الأرض المغصوبة من حيث الصحة مع التحريم أو البطلان و الفساد[24] .

 وأيضاً أحكام المفهوم ومتعلقاته وخصوصا مفهوم الوصف نجد حتى المثال نفسه والتمثل بـ (في الغنم السائمة الزكاة[25] ),وكذلك مباحث الاستصحاب والأخبار والحكم العقلي وتأثيره في التأصيل .

 بعد كل هذا يتطاول متطاول ويمد عنقه مدعي ويفتح فاه متشدق ويقول: إن الشيعة هم السباقون في هذا العلم وأن لهم الأولية في التصنيف والواقع يشهد خلاف ذلك والأدلة كلها سواء كانت أدلة إثباتية من ناحية الوجود التاريخي للمصنفات أو كانت أدلة إفحامية تمثيلية استشهادية مأخوذة من بطون كتبهم ومن ثنايا مصنفاتهم وفي خضم تحقيقهم على صفحات جدالهم ونقاشهم  أبعد كل هذا يحتاج الأمر إلى دليل وكما قال الشاعر :

 ليس يصح في الأذهان شيء          إذا احتاج النهار إلى دليل .

وختاماً فهذه الجملة المأخوذة من كتب محققيهم تجد فيها خير توجيه وأمثل استدلال وأفضل توصيل لما تريد توضيحه وبيانه وإيصاله إلى العالم عله يرى من خلالها حقيقة هؤلاء القوم الشيعة والمتمثلة بالادعاءات المجردة والأوهام الفارغة والكذب المرتب والقفز على كتوف الآخرين لنيل فضيلة أو الحصول على منقبة ولكن الحق أقوى وأمتن وهو الذي يثبت بعون الله وأمره وتقديره.

والآن ندخل للموضوع المبحوث فيه من جهة أخرى ونتناوله من جهة أخرى ومنظار آخر هذه المرة ندخل من باب المدارس الأصولية والطرق العامة المتبعة في التأصيل لهذا العلم الجليل .

 فكما هو معلوم أن علم أصول الفقه علم واسع وذلك لما يحتويه من مسائل ومباحث وتفريعات واختلافات وأدلة واختيارات والمسالك المعتمدة عموما في جمع شتات هذا العلم واحتواء إمداداته قد استوعبت في مدارس سميت بالمدارس الأصولية وانقسمت من حيث المنهج المتبع والطريقة التي تتناول الجمع للأصول وطريقة ترتيبها إلى :

1- مدرسة المتكلمين .

2-  مدرسة الأحناف.

3- مدرسة تجمع بين مدرسة المتكلمين ومدرسة الأحناف.

وهذه المدارس تكونت بعد أن جمع هذا العلم وتركزت مباحثه بحيث أصبح واقع الحال أن المدارس لهذا العلم أو الباحث فيه أو الكاتب أو المتحقق لا ولن يخرج عن هذه الطرق بل إن السير العام يضطره إلى سلوك هذا المضمار ولا بديل له واقعا عنه .

 وهذه المدارس هي مدارس سنية نشأت في أحضان فرق أهل السنة التي أشبعت هذا العلم بكل ما يحتاجه من جهد ودراسة واستقصاء .

 إذن المدارس هذه بأنواعها وهي مدارس سنية بل إن مدرسة سميت باسم الأحناف لاختصاصها بهم فإذا أراد أحدهم مهما كان أن يكتب في علم الأصول فعليه أن يختار أحد هذه الطرق .

والشيعة ليسوا بدعاً في ذلك فهم إذا أرادوا الدخول في هذا المضمار فالحال يقتضي ألا يخرجوا من هذه المدارس لزوم أنه لا وجود لغيرها على الواقع المبسوط لهذا العلم الجليل . وهم حقيقة كذلك فالواقع هنا فرض نفسه فإنك تجد الشيعة في تأصيلهم لا يخرجون عن هذه المدارس الموضوعة .

 فإنك تجدهم في الخط العام يسيرون على نهج المتكلمين ومدرستهم وإن احتاج الأمر وخصوصاً إذا كان للمسألة استثناءات تجدهم يلجئون إلى مدرسة الأحناف وربما سار محققوهم على نهج المدرسة الثالثة الجامعة بين مدرسة المتكلمين والأحناف .

 ولعل سائل يسأل عن سبب ميلهم إلى مدرسة المتكلمين وجنوحهم إليها . قلنا له: إن مدرسة المتكلمين تعنى بالعقليات بحيث أن أطرها العامة المثبتة لقواعد أصول هذا العلم.

تحتوي على منهج علمي متكامل وهذا ما يتناسب مع الميول الشيعية حيث أنهم يميلون ميلا كبيرا إلى الجوانب العقلية هذا من جهة.

 ومن جهة أخرى أن مدرسة المتكلمين مدرسة ذات أفق رحب في الخلاف وأرضية طويلة عريضة في التفريعات والتشعبات ولها من الجزيئات المنبثقة عن الكليات الحظ الوافر والنصيب الأكبر لذلك فان فيها مجالاً واسعاً للاختيار والانتقاء و إمكانية لا بأس بها للنقاش وإبداء الرأي وجواً مؤهلاً للتلاعب في المصطلحات الموضوعة والكلمات العرفية المقررة لهذا العلم هذا كله دفع الشيعة لاتباع هذه المدرسة لعلهم بما ذكرت من مجالات وإمكانية المناورة أن يحاولوا التستر خلف قول من الأقوال والاختباء وراء مصطلحات جديدة من باب لامشاحة في الاصطلاح للوصول إلى مقصد مفاده استقلالية الطائفة في الأصول الفقهية المقررة والمتداولة في الاستعمال الفقهي ولكن هيهات فهذا وأن كان هناك مجال لتمريره فلن يكون إلا على العامة أو الجهال ولكن أهل الاختصاص وأصحاب العقول لا تنطلي عليهم هذه التصرفات ولا هذه الطرق الملتوية لأنهم على علم ودراية بتفريعات هذا العلم والاختلاف الجاري فيه وعلى علم أيضاً بالمنهج العام المميز للمدارس الأصولية. فبمجرد اطلاعهم على ما يكتب في الأصول من أي جهة صدرت هذه الكتابة و أياً كان الكاتب فيها تراهم يصنفون المقصود بالحكم التصنيف المناسب له ويضعونه في المكان الذي يستحقه في المدرسة المنضوي تحتها.

 إذاً فالشيعة بأصولهم الموضوعة لم يخرجوا عن هذه المدارس والتي هي أصلاً مدارس سنية من حيث التأسيس ومن حيث الكاتبون والممنهجون لطرقها وهذا من الثبوت بمكان بحيث لا يتمكن أحد من إنكاره أو التشكيك فيه، والشيعة إذا حاولوا الكتابة في هذا العلم فلا شك انهم سينضوون تحت هذه المدارس مهما كانت هذه المدرسة ولن يستطيعوا الخروج عنها لأنه وبكل بساطة لا وجود لغيرها على الساحة ولا يسمح المجال بإيجاد أو إنشاء غيرها لأنها استوعبت جميع احتمالات الطرح وطرق العرض لأصول الفقه.

 ولو كان للشيعة استقلالية أصولية وكانوا هم أصحاب السبق في الجمع والتأليف والكتابة والتصنيف لكانت لهم مدرسة مستقلة عن غيرهم ولكان لهم خط خاص في التأصيل يسيرون عليه ويهتدون به ولما احتاجوا إلى النظر إلى غيرهم والبحث في ما عندهم محاولة منهم للاقتباس أو التقليد أو الاحتذاء.

 وهذه مسألة في غاية الأهمية ترسم صورة واضحة مفادها أن الاعتماد على المدارس الأصولية الموضوعة منهجياً لرسم ملامح هذا العلم وإرساء قواعده والأخذ بنفس الطرق المتبعة سلفا فيه ينفي أمرين عنهم:

 الأمر الأول : ادعائهم أنهم أول المصنفين لأنه لو كان الأمر كذلك لما تنوعت المدارس وتعددت مشاربها ومسمياتها بل أن من أكبرها من سميت باسم أحد المذاهب السنية الكبرى وهي مدرسة الأحناف والأخرى أخذت اسم المتكلمين وهم فرق أهل السنة الخائضين بالعلوم العقلية والمتخذين منها وسيلة لترسيخ قواعدهم و إبراز نتائجهم .

الأمر الثاني : انتقاء استقلاليتهم فهم نتج لغيرهم يسيرون على خطاهم ولا يتجاوزون حدهم بل ويتشبثون به تشبث الخائف الفقير الذي يخشى الفوات ولا يملك الزاد حال انفراده .

فهم عندما كتبوا في هذا العلم سلكوا درب الأصوليين ونهلوا من موردهم والتزموا بكل صغيرة وكبيرة مدونة كدستور يجمع حيثيات هذا العلم .

فالحقيقة الواقعة أنهم تبع وعالة وجسم اقتات وعاش على موائد الغير لا فضل لهم على الغير بل الفضل للغير عليهم ولا أهلية عندهم للابتداء والأولية لفقدان الآلة والمحفز عندهم بل الأولية والأسبقية لغيرهم ممن توفر عنده المحفز والآلة وبهذا نختم هذه الجهة من البحت و الحمد لله على التمام . 

بعد أن تناولنا جوانب أصولية لإثبات القضية موضوع البحث ننتقل الآن إلى جوانب أخرى يفرضها الواقع الذي وضع الشيعة أنفسهم فيه وتفرضه الالتزامات المترتبة على قولهم وحال فرقهم تجاه هذا العلم نفسه هذه الجوانب المشار إليها يمكن أن تكرس كحقيقة من خلال عرض الأسئلة التالية :

س1-هل الشيعة مجمعون على الأخذ بعلم أصول الفقه كمصدر للاستنباط ؟

س2-هل اتفق الشيعة فيما بينهم على أصول أجمعوا عليها وانفردوا عن الغير بها؟

س3- هل أثر استخدام علم الأصول كأداة استنباطية على واقع الشيعة العقدي والمنهجي ؟

أسئلة في الإجابة عليها تنكشف كثير من الملابسات و تتضح الهوية أكثر فأكثر

السؤال الأول : لا وبدون تردد جوابه لا وألف  لا.. الشيعة ومنذ الفترة التي غاب فيها إمامهم المزعوم المعدوم سنة 329 هـ كما يدعون لم يتفقوا بينهم على طريقة أو منهج في تحديد الملامح السلوكية والطرق التعاملية لاتباعهم مع حالة الواقع الذي وجدوا أنفسهم فيه وانعدام الإمام، فكما هو مقرر عندهم أن السلطة الدينية والتشريعية محصورة في الإمام فهو المسؤول مسؤولية كاملة وتامة عن هذه الأمور فهو منصب من الله وموضوع في هذا المقام لآداء هذا الدور ألا وهو البيان والتوضيح والتبليغ والحكم في المستجدات ولكن مع فقد المنُصَّب وانعدام هذه الشخصية فما العمل وكيف يتم التصرف وما هي الأوجه المحتملة للتعامل مع هذه الحالة في هذه الجزئية من الزمن لابد من إثبات أصل وأرضية الشيعة في التعامل لأنه سيحدد المسار المطلوب إيضاحه وإبرازه فالأصل هو المرجع وإليه التحاكم وعن طريقه يتم التثبيت للأحكام أما الخارج عنه فهو مشكوك فيه دخيل عليه استثناء أوردته فئة معينة في ظرف معين وتحت ضغط معين .

ابتداءً وبعد اختفاء الآثار الإمامية بانعدام المعصوم ذي الدور الرسالي كان من المحتم البقاء على التراث المأخوذ من الأئمة السابقين قبل عصر الانعدام؛ لأنها الرابط الحقيقي مع مرادات الله في الحوادث والقضايا هذا من جهة.

 ومن جهة أخرى يكون في هذا الفعل والتصرف الاحترام الحقيقي للائمة والالتزام الفعلي للترتيب الإلهي بالنسبة للناس، فالإمام إمام والعامة عامة ومقتضى هذا الترتيب هو عدم التقديم بين يدي الأئمة و المفضي ضرورة إلى الأخذ المجرد لرواياتهم والانقياد الكامل لأحكامهم والمحاولة الجدية لجمع شتات مسائلهم و تفحص المنقول عنهم للوصول لصورة مطمئنة إلى آثارهم فعلية كانت أم قولية في أي جزئية من القضايا وفعلا هذا الذي انتهجه المنتسبون إلى التشيع بعد انعدام وانقراض الأئمة فتكونت جماعة علمية أطلق عليها (الأخباريون) والمعنى الذي ذكرناه قبل قليل يتضمنهم ويمكن أن نطلق عليهم ترادفيا (الوقافون) أو (سلفية الشيعة) والمعنى والواقع والفعل والمنطق لا يحكم مع حال الشيعة وأئمتهم إلا بسلوك هذا الطريقة واتخاذ هذا السبيل لذلك ومع كل هذه الافتراضات والوقائع كان الأصل في الشيعة بعد انقراض أئمتهم أن يكونوا إخباريين لا يخرجون عن سيرة أئمتهم وقافون عند الروايات المنقولة والأحكام المروية عن أئمتهم والقرارات المتخذة و الأفكار النابعة عنهم و سلفيون في الأخذ بما ورثوه من تاريخ و تراث منقول عن الموجهين لهم . فالنتيجة  أن الشيعة في الأصل اخباريون منقادون تمام الانقياد للروايات المنقولة عن أئمتهم في الأحكام فرعية أم أصلية في التفسير والقضاء وغيرهما .

فأين الأصول إذاً هنا مربط الفرس وجوهر القضية لم يكن هناك أصوليون ولم تكن هناك أصول إنما الذي حصل ضغوطات ولدتها الظروف وحوادث وقضايا استجدت مع مرور الأيام والأزمنة دفعت ببعض علماء الشيعة إلى محاولة المواكبة واللحاق بالغير لأنه اذا بقي الحال على ما هو عليه فالضياع آت والتهميش والانزواء .

 متحقق أيضاً: أن الروايات مهما بلغت متناهية من حيث العدد ومن حيث الأوعية المتضمنة لها والقضايا الحاكمة عليها أما المستجدات غير متناهية وتتجدد بتجدد الحوادث وتعاقب الأزمنة فلم يكن بد من البحث عن منقذ والمنقذ هو علم الأصول والمنقذ كانوا أهل السنة لأنهم مروا بعد وفاة الرسول في مثل هذه الحالة وجدرت عليهم نفس القضية فما كان من بعض علماء الشيعة إلا التوجه إليهم واقتباس تجربتهم فأخذوا منهم علم الأصول الموصل إلى وضع قواعد  

للاستنباط والاجتهاد لمواكبة الحوادث والحكم في المستجدات على ما يقتضيه الحال فعلم الأصول على هذا الاعتبار طارئ على الأصل وخارج عليه وهو علم مفروض فرضته الوقائع ودفعت به الأحوال المستجدة والقضايا الطارئة وهو المطلوب .

 فالشيعة أذن في أصلهم ليسوا بأصوليين ولا علاقة لهم بعلم الأصول لا من قريب ولا من بعيد بل هم اخباريون وقافون منقادون خاضعون خضوعاً تاماً للروايات المنقولة عن أئمتهم فكيف يقال بعد ذلك أنهم هم الذين أسسوا علم الأصول أو كان لهم السبق في ذلك أو الأولية فيه لا وألف لا وهذا يرفضه الواقع ويرفضه المنطق السليم بل وحتى النظرة المنهجية للأمر.

 وفي هذا الشأن يقول محمد الأمين الاسترابادي: المستفاد من كلام أهل الذكر عليهم السلام أن الله تعالى في كل واقعة تحتاج إليها الأمة حكما معينا وان عليه دليلاً قاطعاً والناس مأمورون بطلبه من عند حفظة الدين وهم أهل الذكر عليهم سلام وإن المخطئ في الحكم أو الفتوى آثم ضامن ويلحقه وزر من عمل بفتياه وإن حكم القاضي بالخطأ ينقض وأنه لااعتداد في غير الضروريات إلا بحكم المعصوم أو فتواه أو برواية حكمه أو فتواه[26].

وهذا الكلام من الوضوح بمكان بحيث لا يحتاج إلا للإشارة حيث صرح بأن التقيد إنما يكون بحكم المعصوم المعلق بقضية معينة أو فتواه لها هذا حال وجوده إما حال عدمه فالرواية للحكم والفتوى فلا أصول ولا أدلة عقلية فهذه كلها منافيه لاتباع المسموع ولانقياد اللائمة.

ثم يصرح في بيان آخر بأن علمائهم إنما دونوا أصولاً سيراً خلف أهل السنة على ما قررناه، فقال :

(( ثم جماعة من علمائنا غفلوا عما ذكرناه من تلك القواعد على تلك الأمور فدونوا أصولاً على منوال أصولهم ( علماء السنة ) إلا في مواضع يسيرة اطلعوا على أنها مخالفة لما تواتر عن العترة الطاهرة عليهم بسلام [27].

ويصرح في موضع آخر تصريح مدوي يؤكد ما قررناه ويدعم ما وجهناه حيث يعترف بالنقل عن المشايخ بأنَّ هذا العلم وغيره ما هو الإ ردة فعل ومحاولة مجاراة للغير وأنه عارض دخيل بل تجاوز سافر عن المطلوب الذي ينبغي الالتزام به ويقول سمعت من بعض المشايخ انه لما عيرت جماعة من علماء العامة ( السنة ) لأصحابنا بأنه ليس من كلام مدون الأصول فقه كذلك ولا فقه مستنبط وليس عندكم إلا الراويات المنقولة عن أئمتكم , تصدى جماعة من المتأخرين أصحابنا لرفع ذلك.

فصنفوا الفنون الثلاث على الوجه المشاهد وغفلوا عن نهيهم عليه السلام أصحابهم عن تعلم فن الكلام المبني على الأفكار العقلية وأمرهم بتعلم فن الكلام المسموع منهم وكذلك عن القواعد الأصولية الفقهية الغير مسموعة منهم عليه السلام .

 وكذلك عن المسائل الفقهية الاجتهادية وصرحوا عليهم السلام بأنه علموا أولادكم أحاديثنا قبل ألفة أذهانهم بما في الكتب المأخوذة عنا صرحوا بأن ما في أيدي الناس من حق فقد خرج منا أهل البيت وما في أيديهم من باطل فمن أنفسهم[28] .

ففي هذا النقل ثبت أن القواعد الفقهية غير مسموعة عن الأئمة عليهم السلام وأنهم منهيون عن السير خلف هذه الأمور لما فيها من صد عن طريق المعصوم و إضعاف للصلة معه وتقويض للاتباع المطلوب فكيف يقال بعد هذا أن الشيعة هم وضعوا هذا العلم وأنهم استقوه من الأئمة وهم لم يسمع منهم بل أنهم قد نهوا عنه لا أريد الإطالة لأن القضية من الوضوح بمكان بحيث لا يحتاج معه إلى مزيد إطالة .

 فالشيعة الأصل فيهم أنهم أخباريون منقادون وأن هذا العلم طارئ عليهم ولدته الظروف والضغوط وقد ساروا فيه خلف أهل السنة وانقادوا لهم فيه، لأن أهل السنة هم الأصل فيه وهم السباقون إليه المرسخون لقواعده والموضحون لتطبيقاته واستدلالاته... هذا ما يخص السؤال الأول .

أما بخصوص السؤال الثاني فانه ينبغي أولاً إيضاح المقصود منه ثم بعد ذلك الدخول في الإجابة عليه .

أما فيما يتعلق بالمقصود من السؤال فإيضاحه كالآتي وهو إذا كان للشيعة مصدر تلقي واحد ومنبع محدد وخاص منه يستقون التوجيهات وعليه يبنون الأسس وإذا كان هذا المصدر له من المكانة والمنزلة ما يصل به إلى درجة الرسالة من حيث الوظيفة والمطلوب وإذا كان هذا المصدر وهو المدعو بالإمام عندهم جامع غير مفرق وفاتح لما اغلق ورافع للغشاوة وبه يتحقق الانكشاف الكامل لجميع المسائل المستشكلة وبحبله المتين ترص قواعد الدين وبكلمة منه توضع الموازين ويقام العدل وتستوي الاعوجاجات وتستقر النفوس ..الخ ذلك مما لا مجال لإحصائه وضبطه.

 أقول: إذا كان هذا هو حال الشيعة من حيث الموجه لهم وهذه منزلتهم وفضيلتهم وصفتهم الفارقة عن غيرهم أليس من العقل والمنطق أن يكونوا متوافقين فيما بينهم  لا أقول: توافقا مطلقا ولكن على الأقل توافق نسبي أليس من المنطق أن يتحدوا فيما بينهم على قواعد مشتركة وأصول فيها نوع من الاتفاق أليس من المنطق أن ينفردوا حتى في خلافهم عن غيرهم ويكون لهم خط خلافي خاص أبرزه انقيادهم لأئمتهم وسيرهم على نهج خاص له تلك الرفعة السامية والمنزلة العليا .

 أليس من العقل والمنطق أن نرى تأثيراً ولو نسبياً أو جزئياً للأئمة على أصولهم الموضوعة كل هذه الاحتمالات فرض الواقع الادعائي لهؤلاء القوم والهالة الهلامية والبهارج الزخرفية للإطلاقات الكلامية..  ولكن في الحقيقة والبرهان لا تجد أي احتمال من هذه الاحتمالات منطبق على الواقع أو له مصداق يمكن تحديده بل لا تجد إلا الضد لهذه الاحتمالات ولا تجد إلا ما يخالف ادعائهم مما يدفع بالذهن إلى الشك في كل ما ذكروه بل وحتى إلى الإنكار والرد هذا من جهة ومن جهة أخرى يورد كماً هائلاً من التساؤلات في مجالات شتى ومنها وبقوة موضوع نقاشنا .

 إن علماء الأصول الشيعة لديهم من الخلاف والاختلاف الشيء الكبير والكثير بل إنك لا تجد مسألة من مسائل الأصول إلا واختلفوا فيها إما في أصلها.

وأما في جزيائتها وتفرعاتها المتعلقة بها مما يعطي انطباعا أوليا حال رؤية هذا الخلاف بأنه لا مرجعية له أصلا من جهته المنسوب إليها كاصول فقه شيعية وان الأئمة الذين ينتسب إليهم الشيعة والمبالغون في وصفهم حداً أخرجوهم فيه من نطاق البشرية لا علاقة لهم بهذا العلم لا من قريب ولا من يعيد .

 وأيضاً مما لا ينبغي تجاهله في هذا الموطن بأن هذا الخلاف بما يحويه من افرازات سواء كان في نفس الأمر المختلف فيه أو في المسائل التي تبنى عليه يشير إشارة واضحة إلى تعدد مشارب المتكلمين بهذا العلم تعدداً يوحي بالانتقال إلى مدارس بعيدة عن الخط الذي هم فيه، قاموا بالأخذ منها والاعتماد عليها حتى اصبح لكل من ينتسب لهذا العلم منهم خطا يميزه وقولا به يعرف واختياراً عليه يعتمد في التأصيل والاستنباط .

 والأمثلة على ذلك اكثر من أن تحصر و أوسع من أن تجمع فإنك لا تكاد تفتح باباً من كتب الأصول المنسوبة مجازا إلى علماء الشيعة إلا وجابهتك أول الأمر عبارة واختلف وعبارة ( والأقوال في المسألة كثيرة ) وكثيرا ما تعزف على مسامعك كأقوى معزوفة موسيقية عبارة (استشكل) وهذه العبارة تتردد في الكتب أكثر من أي عبارة أخرى بل حتى اكثر من عبارة الأصل والقاعدة وبعد كل هذا يقولون بأن لديهم أصولاً وإنها موجودة منذ عهد الأئمة فعلى من يا ترى يضحكون أم بمن يا ترى يتلاعبون وهم في التيه يهيمون ويتبعون أهل السنة حتى في خلافهم في هذا العلم من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون .

وللتدليل على ما ذكرناه ولتثبيت هذه الدعاوى ارجع إلى كتبهم في أصول الفقه والتي حوت ما كتبه الأصوليون منهم في هذا العلم وهذا المجال وعلى سبيل المثال لا الحصر كتاب ( قواعد أصول الفقه على مذهب الإمامية ) والذي تم إعداده عن طريق لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت حيث جمع فيه الأقوال المختلفة المنقولة عن الأصوليين مع أدلة كل قول وتطبيقاته .

وكذلك كتاب الموجز في أصول الفقه لجعفر سبحاني.. اقرأ هذين الكتابين أو غيرهما مما كتب وسترى العجب العجاب.. سترى الاختلاف والتنافر والجدال وهذا يرد قول هذا وذاك ينفي قول ذاك وهنا يشكل في تطبيق القاعدة وذلك لا يقبل بالتمثيل عليها إلى غير ذلك مما تشيب له الرءوس وتحار به العقول.

 ثم بعد ذلك يقولون: نحن من أسس علم الأصول ونحن من أخذه من الأئمة وأنهم هم الموجهون إليه وأن التصنيف بدأ في عصرهم ووقتهم لا والله لو كان هكذا الحال لما آلت الأمور إلى ذلك الخلاف الكبير بينكم، ولما كان الخلاف حتى الخلاف هو عينه الموجود عند أهل السنة، ولأن الاقتباس معناه الاعتماد على الغير في أخذ ما عنده والمأخوذ كان فيه خلاف وترجيحات فأخذت الخلافات كما هي وعرضت كما هي فما كان من الخائضين في المأخوذ والمقتبس إلا محاولة الميل إلى أي قول يرونه مناسباً وبذلك تعددت عندهم الأقوال بتعدد الأقوال المأخوذة من أهل السنة وهذا أثر واضح للمطلع ولا يخفى على المتبع والحمد الله..

 هذا هو الجواب عما يخص هذا السؤال لم نرد الإطالة فيه؛ لأننا نريد فقط الإشارة والتلويح لنوجه الناس للذهاب بأنفسهم إلى المظان والتأكد من صحة الدعوى وعلى الله التكلان .

و أما في ما يختص السؤال الثالث والمتعلق عن الأثر المترتب من تطبيق هذا العلم على السلوك العقدي للشيعة ..

فالمنطلق له يمكن إيضاحه بالطرح الآتي: لو كان هذا العلم أصيل عند الشيعة وكانوا هم السباقون إليه والمنشئون لقواعده فإنك وبدون أدنى شك لن تجد لهذا العلم تأثيراً على الفكر والمعتقد الذي يحمله الشيعة بل على العكس ستجده يتماشى مع العقائد التي يحملونها والمناهج التي يسيرون عليها، وفي نفس الأمر فإنك تجد هذا العلم خادما لتلك العقائد موجهاً لتلك المناهج خادماً لها ومقوياً لها ومثبتا لأركانها ومسخراً تسخيراً تاماً لها لأنه انطلق بموجبها ومن لبها .

 وكلما كان العلم غريباً عنهم نابعاً من أرض غير أرضهم صادرا عن جهة لا تتفق معهم في الأصول الفكرية فستجد له تأثيرا ضديَّاً وتغيرياً للخط العقدي العام بحيث أن الآخذين لهذه الأصول يضطرون إلى مخالفة بعض الأمور والتحايل على أمور أخرى وارتكاب مناهي والوقوع في مفاسد تتناقض مع المطلوب منهم في سبيل تطبيق هذا العلم.

 وهذا الذي حصل مع الشيعة عندما كتبوا في علم الأصول وحاولوا تطبيقه فعليا على الواقع الرواياتي للأئمة فقد اضطروا إلى الوقوع في مناهي والدخول في متاهات والتعرض إلى الكثير من التغيرات حتى ولو كانت في بعض الأمور الخاصة بهم، كل ذلك من أجل إعمال هذا العلم عندهم والحال واضح مما قدمناه من أمور كثيرة تتعلق بهذا.

 وأيضا مما سنشير إليه مما وقعوا فيه من مخالفات أدى إليها مخالفة هذا العلم للمنهج العام الموضوع عندهم .

وأول هذه المخالفات أو التأثيرات السلبية على المنهج الفكري تتمثل بحقيقة مفادها: (أن استخدام علم الأصول كأداة ووسيلة للاستنباط يلغي الحاجة وينفي الاحتياج إلى إمام جديد وذلك لسبب بسيط ألا وهو أن الغرض المطلوب من الإمام قد تحقق) .

أو ذلك بقيام المستنبط مقامه فالذي تحصَّل عندنا في هذه الحالة هذه الصورة: (وجود أئمة ذهبوا إلى ربهم وتركوا روايات فيها أحكام وبيان وأقضية ووجود قواعد أصولية وأدوات استنباطية يمكن عن طريقها التوصل إلى مطلوب الإمام في قضية معينة ووجود حوادث مستجدة يطلب حكم الإمام فيها).

 وهنا الذي يجري أن المجتهد أو القاضي أو المستنبط يقوم بإمرار هذه القواعد الأصولية على روايات الإمام والحكم بعد ذلك على القضية المراد إيضاح الحكم فيها وصورتها كمعادلة رياضية كالآتي:

 روايات موروثة عن الأئمة + قواعد أصولية عاملة في هذه الروايات = أحكام في القضايا والمستجدات.

 فما الحاجة بعد ذلك إلى الإمام وما هي الفائدة المرجوة منه إذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الأمر بهذه السهولة وهذه البساطة فلماذا التهويل وتضخيم دور الإمام وأهميته وأنه لا تقوم مصالح العباد إلا به ولا تجري الأمور باستقامة وعدل إلا بوجوده وأن الدنيا تضطرب وتختل مع انتفائه وعدمه .

 القضية أبسط بكثير مما يهولوه وأسهل بأشواط مما يدعوه.. فانظر أيها القارئ العزيز إلى هذا الأثر الكبير والخطير الذي ولده إدخال هذا العلم كمادة في الاستنباط وآلة في النظر في القضايا على عقيدة الإمامية . ولذلك ترى أن الشيعة وطول هذه القرون السالفة لم يجرِ على ألسنتهم دعاء: ( اللهم أخرج الإمام اللهم أنقذ الإمام اللهم فرج عنا بظهور الإمام و إخراجه ) وذلك لسبب بسيط: أنهم لا يحتاجون للإمام ولا يشعرون بالضيق والشدة مع عدم وجوده بل أمورهم مرتبة وهناك من يحكم لهم ويفتي لهم في القضايا .

ولكننا نجدهم يقولون:  ((اللهم عجل فرجه )) فالحال معكوس، فالإمام هو المغيب هو المضيق عليه قد اغتصب حقه من قبل علماء جاءوا بآلات علمية وقواعد مستوردة من الغير ونصبوا أنفسهم بواسطتها منصب الإمام لذلك، فهم يدعون في كل مناسبة أن يفرج عن هذا الإمام المسكين الذي لم يبقَ له من الأدوار التي يحملها إلا الاسم ولم يبقَ مما يمكن أن يقوم به إلا الرسم وهو في حبسه جريح لا يدري ماذا يفعل وغيره من الناس ممن قام بدوره يتمتعون ويصولون ويجولون ويأخذون ولا يعطون وهو وحيد أسير لا يدري كيف المخرج وما العمل فحق إذاً أن يقول الشيعة  للإمام: (عجل فرجه ) .

فانظر عزيزي القارئ! إلى الأثر الكبير والمدمر الذي أعمله استخدام علم الأصول عند الشيعة ألغوا دور الأئمة وهمشوه وجعلوا من المجتهدين المستنبطين قائمين مقامهم وفاعلين لدورهم بحيث أنهم قد استغنوا بهم عنهم .

 فبربكم إذا كان الشيعة هم الذين أنشؤا هذا العلم وأوجدوه أكان له هذا التأثير الكبير في هذا الجانب؟ الجواب: لا ولكن لأنه لا يستقيم مع عقائدهم أثر بهم هذا الأثر الكبير وأحدث بهم هذه الأحداث.

الأمر الثاني والمتعلق بالأثر فيمكن إيضاحه بالطرح التالي :

ابتداء فإن علم الأصول علم مجرد ويصنف ضمن علوم الآلة بمعنى أنه ليس مقصوداً لذاته و إنما هو وسيلة تستخدم في الغير للتوصل إلى مقصود معين ومرمى مطلوب .

 فالقضية إذن لا تخرج عن إعمال قواعد من قبل متخصص في أخبار منقولة عن أصحاب منزلة وتحصيل أحكام وقرارات يربطها ذلك المتخصص بالواقع المطلوب الحكم عليه .

إذن من خلال هذه الصورة البسيطة والمحددة المعالم أصبح الحاكم والمؤثر في اتخاذ القرار هو المتخصص ( الفقيه المجتهد ) وأصبح المؤثر به والمحكوم عليه هو الروايات والمحكوم لأجله هو المستفيد وهو صاحب القضية المطلوب الحكم عليها .

 فانتبه أيها القارئ العزيز إلى الذي حصل تحول المجتهد أو الفقيه إلى حاكم؛ لأنه هو الذي يوجه المقاصد من قول الإمام وأصبح فعليا هو المتصرف والقاضي على مرادات الإمام وتحول الإمام من برجه العاجي وتنازل عن القمم الشماء التي يعتليها وهبط من أعالي سمائه وتزحزح عن ملكه وترك عرشه الذي يحكم به كل ذلك لمن ولماذا ؟

 لمن؟ للفقيه والمجتهد.

ولماذا؟ لإدخال علم الأصول عليه.

 فالفقيه أو المجتهد صار حاكما حتى على الإمام نفسه والإمام تحول إلى محكوم عليه أو بالأحرى وسيلة يتصرف به المجتهد كيفما يشاء وعلى الطريقة التي يريد .

 وهذا الأثر بحد ذاته من الخطورة بمكان بحيث لا يشعر بأثره إلا من تفكر فيه وخبر لوازمه ففيه من سوء الأدب مع الإمام الشيء الكبير، وفيه التقديم للرأي والفكر على ما هو مطلوب من تسليم وانقياد للإمام، وفيه التدخل السافر والمفضوح في مجال يكون فيه التدخل من الموبقات ألا وهو: منصب الإمام ودرجته ووظيفته، وفيه تشتيت حكم الإمام في القضية بحيث أن الناس يضيع عليهم الحكم فلا يعرفون ما مراد الإمام في جزئية ما، وما هو حكمه المطلوب في مقصد من المقاصد، بل أدخل حتى التشكيك في أن يكون للإمام حكم في قضية من القضايا لما يرونه من التضاد البين في الأحكام، والاختلاف الواضح في الربط بين المنقول عن الإمام والواقع المطلوب البت فيه والحكم عليه .

أبعد هذا يقال: إن الشيعة هم أول من صنف في علم الأصول أو أسس هذا العلم كيف وهذا هو الذي يثمره تطبيق هذا العلم وهذا هو نتاجه .

الأمر الثالث : والذي هو من الأهمية بمكان بحيث ينبغي الاعتناء به، والمتمثل بقضية المظنونات والرد على الإمام، وأعني بقولي المظنونات ما يأتي :

كما هو معلوم أن الناتج الفقهي النابع من المجتهد أو الفقيه لا يخرج عن كونه ظن حكم في مسألة ما بمعنى أن القطع بأن الحكم في المسألة كذا أمر غير مقبول ولا وارد فالقضية كما هو معلوم اجتهاد ونظر وأعمال فكر وفق قواعد معينة في الروايات المنقولة لمحاولة التوصل إلى إيجاد حكم للإمام في القضية المستحدثة الواردة .

 إذاً: عندما يصدر الفقيه أو المجتهد حكماً أو قضاء فالأمر لا يخرج عن كونه اختيار المجتهد لهذا الحكم واتجاه الفقيه لهذا الرأي، وقد يكون هذا الحكم وهذا الرأي مخالفاً لحقيقة الحكم في نفسه أو ليس هو الواقع المطلوب تنزيله وربطه على الوجود الخارجي .

 وبهذا يختفي حكم الإمام حقيقة في الواقع لاحتمالية كون الرأي أو الاختيار ليس هو قول الإمام ولا رأيه، وهذا الذي جرى فإنك وبإعمال علوم الآلة وجعلها أداة في يد الفقيه أو المجتهد اختفى حكم الإمام في القضية ولن يستطيع أحد أن يجزم في قضية ما بأن هذا هو حكم الإمام لسبب بسيط وهو أنه مظنون والاحتمالية داخلة فيه من أبواب واسعة وعديدة .

 والشق الثاني والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقضية المطروحة: هي قضية الرد على الإمام ومجابهته والتوقف ملياً أمام حكمه الذي ورد.

 ولتوضيح ذلك أقول: إن الأصل في التعامل مع الإمام هو التسليم والانقياد والخضوع الكامل له وإن الراد عليه كالراد على الله والمعترض مرتكب لكبيرة والمتردد لابد أن يكون في قلبه مرض..

 إذا تقرر ذلك فلننظر إلى قضية محور النقاش من هذه الزاوية ونقول: إن الذي يعمل القواعد الأصولية والآلات الاستنباطية ويخضع لها أقوال الإمام ورواياته له مشاركة ولو من بعيد في الرد على الإمام وعدم الخضوع له؛ لأنه فرض نفسه خصماً ومجادلاً على الإمام يتحكم به كما يريد ويوجه أقضيته كما يشتهي بل والأدهى من ذلك نراه في بعض الأحيان يذهب إلى أبعد من ذلك.. يذهب إلى رفض المروي جملة وتفصيلاً والطعن به والحكم عليه بأنه بعيد كل البعد عن المطلوب .

 فالقضية إذن ذهبت بعيداً، فإعمال هذا العلم بما  يحتويه من قواعد يزيد الأمر تعقيداً ويدخل أصحابه حسب نظر الشيعة من حيث يشعرون أو لا يشعرون في الشرك في الرد على الإمام أو في النفاق لانتفاء التسليم المطلق للإمام وبعد هذا يقولون: إن الشيعة هم من وضع علم الأصول أو هم المنشئون له المتكلمون به ابتداء لا والله بل هو بعيد بعيد عنهم كل البعد .

وفي هذا المقام وجدت إشارات إجمالية ونقاط مختصرة لما فصلته في المحاور السالفة في كتاب الفوائد المدنية حيث يقول الاسترآبادي وما أجمل ما يقول: (( وأنا أقول : لاكتفاء هذه الجماعة بمجرد العقل في كثير من المواضع خالفوا الروايات المتواترة عن العترة الطاهرة عليهم السلام بكثير من المباحث الكلامية والأصولية . وتفرعت على المخالفة في الأصول المخالفة في المسائل الفقهية في مواضع كثيرة من حيث لا يدرون, ثم اكتفائهم بذلك وعدم رجوعهم إلى كلامهم عليهم السلام إما الشبهة دخلت عليهم وأما الغفلة )[29]  .

  

 

الخاتمة

بعد هذا العرض للمسائل المتعلقة بالدعاوى المطروحة على ساحة النقاش بخصوص قضية النسبة لعلم أصول الفقه ومن هو المبادر إلى جمع مسائله والتصنيف فيه واحتواء ما تناثر من شوارده ومن الذي ضبطه وقعد  قواعده لا يسعنا بعد هذا العرض إلا القول بأن أهل السنة هم من كانت لهم الصدارة والأولية في المبادرة لإنشاء هذا العلم وهم السباقون والمتوجهون إليه ابتداء جمعاً وتصنيفاً وإعمالاً وتطبيقاً وأما غيرهم وأقصد هنا الشيعة فليسوا في حكم الواقع إلا تبع وما هم في حقيقة الأمر إلا متطفلون ومقتبسون استفادوا من جهد من سبقهم من أهل السنة وأخذوه منهم ناضجاً ليعملوه في حاجاتهم وليستخدموه في مجالاتهم .

إن هذه النتيجة التي تم التوصل إليها لا ميول فيها إلى جهة ولا تعسف فيها في الحكم؛ لأنها اعتمدت على مقدمات مستقاة من واقع التاريخ أولاً ومن واقع الفرقتين المنهجي و العقدي ثانياًَ .

 وأيضاً تم الاستفادة في التوصل لهذه النتيجة من الملابسات والمتعلقات التي تحيط وتكتنف قضية الادعاء وما يمكن أن يوضع من احتمالات مترتبة على هذه الادعاء وما ينتج من آثار تبتنى عليه وتكون واقعاً متحققاً لا يمكن الفرار منه أو الحيد عنه إذا ما ثبت هذا الادعاء .

وفي هذه الدراسة كنا قد تطرقنا إلى جوانب عديدة اتخذ منها كمداخل لفض النزاع وكبوابات لتوضيح الأشكال وبملاحظة هذه الجوانب وبمجرد ربطها بالفرق التي تدعي هذه النسبة ربطاً واقعياً يتناسب مع واقع كل فرقة ويتماشى مع منهج كل جهة يمكن وبصورة مباشرة الحكم في القضية والجزم في تحديد الادعاء لكل ناظر أو باحث أو قارئ وها نحن نشير بصورة مختصرة ومبوبة لهذه الجوانب مع الإلحاق بكل جهة لتكتمل صورة البحث وتبرز البينة كما ينبغي .فنقول:

1-                    في بداية البحث تطرقنا الى الأسباب الدافعة إلى المنافسة والنزاع في سبيل إثبات دعوى الأولية في إنشاء العلوم عموماً وهذا العلم ( أصول الفقه ) بالخصوص وقمنا بعرض لجملة أسباب تصب في هذا الاتجاه وتغذي وتنمي هذا الادعاء وذكرنا منها الإنجازات والتفاخر بتحصيلها وتحقيق الاستقلالية وبانتفاء التبعية إضافة إلى الانفراد الفكري وتوحد المادة بالتجرد عن الغير في الطرح والتطبيق أضف إلى ذلك الدوافع الشخصية والنوازع الذاتية وحب الظهور بإشعال المنافسة على ما يترتب على ذلك من تحصيل مكاسب مرجوة من خلال هذا الادعاء وعن طريق هذه المحاولة .

 إن مجرد النظر إلى هذه الأسباب وبنقلها إلى واقع الفرقتين فإننا سوف لن نتأخر بالحكم على وجودها وتحققها في الفرقة الشيعية وانتفاءها أو انتفاء أكثرها في صفوف أهل السنة . إذ أن الشيعة عندهم من الطائفية والميول إلى جماعتهم ما يعجز العقل أحياناً عن وصفه، هذه الطائفية دفعتهم في كثير من الأحيان إلى العنصرية والتحيز إلى الجهة والجماعة وهي بهذه الصفة تحاول إلصاق أي عمل وتحاول ادعاء أي إنجاز في سبيل رفع شأنها أو إبراز سعيها ومن الجدير بالذكر وبخصوص تعلق الأسباب فيها نجد و من خلال البحث التاريخي و الموروث العلمي أنه وعلى طول الخط الزمني المؤرخ لإنشاء العلوم واستعمالها وللعلماء الباحثين والعاملين في مجالاتها نجد دائماً من يحاول الادعاء بإثبات العلوم هم الشيعة وذلك لقلة ما عندهم من إنجازات ولضعف المقدم من قبلهم بينما وفي الجهة المقابلة أعني السنة لا نجد هذه الدعاوى وذلك لعدم الحاجة لها إذ في الأرصدة ما يكفي ويزيد والمغني عن هذه الادعاءات .

إذن فهذه الأسباب تكاملت وجوداً أو تحققت واقعاً عند الشيعة و لم يكن لها وجود أو كان على أثر سبب كردٍ أو توضيحٍ لحقيقة عند أهل السنة .

2- وإذا ما عرجنا إلى قضية المبررات التي أدت إلى ظهور هذا العلم وإلى جمعه وحفظ مسائله و انضباط قواعدة نجد هنا وبما لا يدع  مجالاً للشك أو النقاش أو الجدال قد تحققت عند أهل السنة تحققاً كاملاً وأعملت عندهم إعمالاً تاماً وظهرت تفريعاتها وتنوعت اختياراتها ومجالات البحث فيها قبل الشيعة بمدة طويلة لا سنة ولا سنتين ولا عقد ولا عقدين بل أقول: مئات السنين..

 فالدافع الذي أدى إلى إنشاء هذا العلم والغرض المؤثر في إيجاده وجد عند السنة ابتداء وأصالة وباعتراف الجميع..

 و أما عن ظهوره فيهم فهو متأخر ومتأخر جداً، هذا التأخر وذاك البعد الزمني يخضع العقل ويلزم الفكر بالحكم بالأسبقية والقطع بالأولية للجهة المتقدمة من حيث الزمن والتي بدأت أولاً بالخوض في هذا العجال و أعني بذلك السنة؛ لأن الحاجة عندهم تبلورت والفائدة منه على ساحتهم ظهرت فلذلك توجهوا إليه ولم يتأخروا عنه ولو للحظة .

 أما الشيعة فكلما يدعون كانوا في غنى عنه وغير محتاجين إليه فلماذا يشتغلون بهذا العلم وعلى أي أساس يضيعون وقتهم فيه.. إن هذا منافٍ للعقل وبعيد كل البعد عن المصلحة، وهذا من الظهور بمكان بحيث لا يحتاج إلى مزيد إيضاح ولا إلى إطالة زائدة عن الحد .

3- وعند التكلم عن الأدلة نجدها وبلا منازع تؤيد وتساند القول القاضي بالحكم بالنسبة إلى أهل السنة؛ لأن الوثيقة المعتمدة والتي حوت على مسائل هذا العلم معروضة بشكل منهجي ومصنفة على الأبواب هي كتاب الرسالة للإمام الشافعي؛ إذ أنها أول مستند مكتوب موثق يمكن عن طريقه الحكم على قضية الابتداء والأولية في التصنيف .

وتبين من خلال العرض للخلاف وتناول الادعاء على أن المحاولات لإيجاد ما يعارض هذه الحقيقة لا ثبات لها على أرض الواقع ولا قوة فيها على معارضة أو مدافعة ما تقدم ذكره من دليل ( الرسالة ) .

والذي يعزز ويقوي أرجحية هذا الدليل هو ما تم تناوله في النقطة السابقة والمتعلقة بالمبررات والدوافع من وراء إيجاد هذا العلم .

إن التكلم عن الدليل والإثباتات ينبغي أن لا يكون مجرد أقوال تذكر لغرض الرد فقط أو نقاش يراد منه التضليل والتمويه للحقائق ... إن الأدلة لا بد أن تكون راسخة من حيث الوجود لها واقع وأرضية ومؤيدة بمتعلقات وروابط تقوي وتؤيد تلك الأدلة . وهذا لا يحقق إلا في كتاب الرسالة .

وما يقوي هذا الدليل أيضاً هو سلامته من المعارض؛ إذ أن المعارض كما بينا لا يخرج عن كونه: إما أن يكون مجرد ادعاء لوجود وهو مرفوض من جهة الواقع العقدي للمدعين كما سبق ، أو أنه كان متناولاً لجزئيات مشتركة من جهة العلم يمكن أن تستعمل في أكثر من علم أي أنها لا خصوصية لها ليحكم من خلالها بالنسبة .

وعند ذاك ومع كل هذا الذي ذكر لا يسعنا في هذا الباب إلا الحكم بأن أهل السنة هم من بادر إلى التصنيف في هذا العلم وهم من كانت له الأولية و السبق فيه .

4- ومن الأمور التي ظهرت لنا من خلال هذا البحث هو قضية الأثر والتأثر، وأعني بذلك: أن السابق في التصنيف و المبادر للكتابة وصاحب الأولية يكون أثره ظاهر في الذي يجيء بعده ويتضح بما لا غشاوة فيه تأثر المتأخر بمن سبقه وهذه القضية من الأمور البديهة المعلومة للجميع  والتي لا نزاع يعلم فيها والأمر الذي نحن بصدده يمكن للمطلع ومن خلال الطرح الذي سقناه وبناءً على المعطيات الموجودة على الساحة أن يحدد المؤثر من المؤثر عليه .

فالكتب موجودة وقد تناولت في ثناياها أبواب هذا العلم بما حواه من مسائل وأصول وتفريعات وخلاف وتطبيقات ويمكن لأي أحد بمجرد الرجوع إليها الحكم على التأثير من أي جهة في الجهة الأخرى .

 وقد ضربنا الأمثلة للقارئ الكريم توضيحاً لهذه الحقيقة وصرفنا نظره إلى المواطن التي يمكن أن يحدد بها هذه الحقيقة والنتيجة التي توصلنا إليها أن أثر أهل السنة واضح للعيان وبارز أمام المطلعين في كتب الشيعة وفي مناهج علمائهم الموجودة والخاصة بهذا العلم؛ لذلك ومن هذه الجهة أيضاً يمكن أن نحكم ونقضي بأن أهل السنة هم السباقون أصحاب الصدارة والتقدم في الكتابة والإنشاء والتصنيف لهذا العلم .

5- إن الوجود الخارجي والواقع المحسوس يكون له الحكم على النظريات والادعاءات والأفكار الموجودة في الأذهان : فلذلك ومن باب الإثبات  الحقيقي والترسيخ الواقعي لقضية الابتداء والأولية ومن هو المقدم فيها قمنا بسرد أمثلة واقعية وحقائق ملموسة يظهر من خلالها تأثر الشيعة تأثراً كاملاً و تطابقياً بأهل السنة في جميع الحيثيات والجوانب المتعلقة بهذا العلم وكان ذلك من خلال وضع اليد على المباحث الأصولية والمأخوذة بشكل كامل من أهل السنة بل حتى الاستدلالات المطروحة والخلاف وما إلى ذلك من الأمور والقضايا والتي عن طريقها نحكم ونجزم بالأثر والتبعية .

 أقول: إن هذه العلامات والأدلة وهذه الإشارات تؤدي ولا شك إلى الوصول إلى نقطة لا محيد عنها ولا يمكن تجاوزها إلى جهة أخرى مفادها أن أول من صنف في هذا العلم هم أهل السنة وما الشيعة إلا تبع لهم استفادوا منهم ونهلوا من موردهم و لولا هم لما كان لهذا العلم عندهم وجود .

6- إن المنفرد في كتابة علم من العلوم والمستقل في التصنيف والتطبيق تجد له بخصوص هذه الحيثيثية خطأ مستقلاً وطريقاً خاصاً يمتاز به ويتمايز به عن الآخرين وإضافة لهذا تجد ظهور أثري لخطه ومنهجه الذي هو عليه على الآخرين .

وبالانتقال إلى قضيتنا محور البحث لم نجد للشيعة خطأ يميزهم ولا مدرسة ينفردون بمكوناتها و أسسها عن الآخرين بل وجدنا اتباعا للمدارس الموجودة فعلاً على الساحة و التي هي كلها تنسب إلى أهل السنة وسيراً حثيثا خلفهم بحيث إنك إذا قرأت الكتب الأصولية المقررة عندهم لم تستطع أن تفرقها عن غيرها من الكتب إلا بأسماء مؤليفها كل ذلك لأنهم اتبعوا نفس النهج وساروا على نفس الطريق الذي خطه وأرسى معالمة أهل السنة .

 إذن فمن هذه الجهة وبالاعتماد على المدارس الخاصة بهذا العلم والتي انتهجت طرقاً خاصة في التأصيل واتبعت مبادئ لها في التبويب والتطبيق نحكم على الشيعة بأنهم أتباع للسنة في هذا العلم وأن أهل السنة هم من سبقهم إليه بدليل مدارسهم الموجودة والسارية الأثر والمفعول في الذين جاءوا بعدهم والمستفيدين منهم .

وأن الشيعة لم يكن دورهم وعملهم إلا باختبار مدرسة تتناسب على ميولهم وتتوافق مع سيرهم العام فوقع اختيارهم على مدرسة المتكلمين واعتمدوا على أسسها في الكتابه و التصنيف .

7- وفي آخر المطاف وجدنا من الضروري إبراز حقائق مهمة تتعلق بمسألة إعمال علم الأصول عند الشيعة ومدى الأثر المترتب على فرقتهم من حيث العقيدة والمنهج ومن حيث الاتفاق والاختلاف بإعمال هذا العلم حيث إننا وجدنا أثراً سلبياً لهذا الإعمال وإحداثاً لشرخٍ كبير في وحدة الاتجاه الشيعي العلمي و أثراً تغييراً على واقع العمل الفقهي والاستنباط الحكمي على الشيعة وهذا يدل وبقوة على أن علم الأصول علم دخيل عليهم ووارد اليهم من الغير ، فنحن إذا ما بحثنا عن قبول هذا العلم ورفضه عندهم وجدناهم منقسمين فيه ما بين رافض له وهم الاخباريون والذين يمثلون الخط الأصلي للشيعة والطريق التقليدي لهم وما بين قابل له وهم المتأخرون منهم والمتهمون من قبل الرافضين بأنهم عيال على أهل السنة في علم الأصول والعلوم العقلية وهذا الاختلاف لا نجده عند المقابل ( أهل السنة ) والاتفاق دليل على أنهم الأصل لكونها طريقتهم التي ساروا عليها جميعاً والاختلاف يعني دخول العلم جديداً فيهم ولذلك نجد منهم من قبله ومنهم من رفضه .

والمرجح الثاني: يتمثل بانتفاء الانفراد عند الشيعة في قضية الأصول بل لا تكاد تجد مسألة أو باب أو تفصيل إلا وقد أخذوه عن أهل السنة و إذا وجدت أصلاً يخالف ما عليه اهل السنة فإنما هو لمخالفة الأصل بعض ثوابتهم و الضروري من مذهبهم و القضية الأخرى التي فيها ترجيح مدخولية العلم على الشيعة أنه و في دخوله عليهم أدى ذلك إلى تغيير جذري في السلوك الفقهي و إلى خط جديد في قضية التأصيل والبناء وما ذلك إلا لأن الداخل غريب على الساحة التي دخل عليها واصطدم بجدار يتمثل بصعوبة تطبيق هذه الأصول عن المعروض من الروايات لأن في أعمالها توجيهاً جديداً وإثباتاً لأحكام تخالف المتعارف عليه والمتداول عندهم.

 كل ذلك يفضي إلى نتيجة واحدة لا غير أن هذا العلم دخيل على الشيعة وأنهم تبع للسنة فيه متخلفون عنهم فيه بمسافات كبيرة وواسعة .

إذاً: تبين من خلال ما عرضناه من محاور أنه لا يمكن القول إلا بأن أهل السنة هم الذين أنشئوا هذا العلم وكانوا السباقين إليه ، وأما الشيعة فما هم إلا تبع ظهر متأخراً حاول أن يتدارك ما فاته لما رأى الركب قد سبقة وحاول بفعلته هذه اللحاق به  لكن أنى له ذلك .



[1] - مقدمة العدة في أصول الفقه ص55-56.

[2] - مقدمة العدة في أصول الفقه ص56.

[3] - مقدمة العدة في أصول الفقه ص56.

[4] - مقدم العدة في أصول الفقه صــ58.

[5]  - مقدم العدة في أصول الفقه صـ57ـ.

[6] - محاضرات في أصول الفقه الجعفري  6

[7] - الشافعي 196 – 197

[8] - مقدمة العدة في أصول الفقه  58

[9] -  تأسيس علوم الإسلام 310.

[10] - تأسيس علوم الإسلام 311.

[11] - الأوائل.......

[12] - مقدمة ابن خلدون  420

[13] - محاضرات في أصول الفقه محمد إبراهيم الحفناوي  15

[14] - مقدمة عدة أصول الفقه 61

محاضرات في أصول الفقه الجعفري 6

[15] -

[16] - العدة 2/602.

[17] - نهاية الأفكار 1/214.

[18] - صحيح مسلم بشرح النووي 100-101.

[19] - الفوائد الحائرية 234.

[20] - فوائد الأصول 4/20 نهاية الأفكار 4/385

[21] - نهاية الأفكار 4/385

[22] - فوائد الاصول 4/20  

[23] - منهاج الأصول 1/343 المحاضرات 2/313-314

[24] - الكفاية 150فوائد الأصول 2/396-397 دروس في علم الأصول 2/269-272

[25] - مناهج الوصول 2/217

[26] - الفوائد المدنية 75.

[27] - الفوائد المدنية 77.

[28] - الفوائد المدنية 77.

[29] - الفوائد المدنية 77 .

عدد مرات القراءة:
123912