الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وصحبه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعــد:
فمنذ أن أشرقت أنوار الحق ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأذن الله تعالى بإكمال الدين الحق ؛ ساء ذلك أعداء الله على اختلاف نحلهم، فاليهود الذين كانوا يرقبون بعثته صلى الله عليه وآله وسلم كفروا به وأنكروا نبوته وناوؤه، والفرس والروم رأوا في دعوته تهديداً لسلطانهم الظالم، فناصبوه العداء، ومن بعد ذلك جحافل التتر الجرارة التي اكتسحت رقعة واسعة من بلاد الإسلام، ثم الحملات المتكررة للصليبيين الحاقدين على بلاد الإسلام، والتي مازالت مستمرة حتى يومنا هذا بصور متنوعة، كل هؤلاء وغيرهم حاربوا دين الله عز وجل وما زالوا، وقد لجأوا إلى أساليب خبيثة في ذلك الصراع، منها :
تظاهر بعضهم بالدخول في الإسلام حتى يكيد له من داخله، وهؤلاء شر الأصناف وضررهم أعظم الأضرار، ومن هؤلاء الذين زينوا للجهال في هذه الأمة الشرك من جديد في ثوب التعظيم للمقبورين من الصالحين، كما هو واقع ومشهور عند كثير من المنتسبين للتصوف، وعباد القبور من الجهال الموجودين في معظم أقطار الإسلام، فهؤلاء قد بدلوا دين الله تعالى، وأحيوا ميتاً من الشرك، وبعثوه من جديد، ينخر في جسد الأمة مبعداً لها عن دين الله عز وجل، وقد حسنوا ذلك للعوام بوسائل متعددة:
كبناء القباب على القبور وتزويقها، وإيقاد السرج وغير ذلك،وجعلوا لها سدنة هم في حقيقة أمرهم كهنة للأوثان، يغرون الناس بدعائها وطلب الحوائج منها، واخترعوا الحكايات العجيبة التي تبين قدرتهم المزعومة وإمكاناتهم الخارقة، فأغروا الناس بذلك وألفوا لهم الكتب ودبجوا لهم القصائد، ووضعوا لهم أحاديث مختلفة، كل ذلك لإغرائهم وتزيين الكفر لهم.. قبحهم الله تعالى.
ثم إن هذا الداء قد استشرى، وعم معظم أقطار الإسلام إلا ماندر، ولم ينجُ ذلك القليل إلا بفضل الله تعالى، ثم بجهود الصالحين من العلماء العاملين، وكان على رأس هؤلاء: أئمة آل البيت، الذين حفظ الله بهم الدين، وأتم بهم المنة، وقاموا في مواجهة ومحاربة البدع الشركية والخرافات العقدية، يدعون الناس إلى التوحيد الصافي،وإلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يرجون إلا وجه الله عز وجل ([1]).
بل كانت حياتهم عامرة بالتوحيد ومحاربة الشرك بأنواعه ووسائله، عاشوا في التوحيد، للتوحيد، فما كانت أسماعهم تسمع ألفاظاً شركية، ولا أبصارهم ترى أفعالاً شركية إلا وأنكروها نكارة شديدة، وما ذلك إلا لأنهم تربوا وترعرعوا على رياض التوحيد النضرة، وسقوا من منبعه الصافي، كيف لا وهم من الذرية الطاهرة، من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فهذا هو منهجهم في التوحيد، والدعوة إليه والبراءة من الشرك وأهله، وأما مانقرؤه في بعض الكتب المنحرفة عن سبيل التوحيد، والتي تدعوا إلى الشرك على لسان هؤلاء الأئمة الأطهار، فإنها مكذوبة عليهم، افتراها المنافقون المتسترون بحب آل البيت، فيكذبون عليهم بالأخبار التي تصفهم بصفات الألوهية أو تنسب إليهم الدعوة إلى الشرك الصراح، وإلى صرف بعض العبادات والاعتقادات إلى غير الله عز وجل.
وقد قام آل البيت بدورهم في التحذير من أولئك الكذابين، كما ورد عن محمد بن علي بن الحسين في (الاعتقادات) قال: ذُكر القصاصون عند جعفر الصادق عليه السلام، فقال: لعنهم الله إنهم يشنعون علينا) ([2]).
وجاء عن حبيب بن معلى الخثعمي قال: ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام ما يقول أبو الخطاب، فقال: جل إليّ ما يقول، قال: في قوله عز وجل: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ)(الزمر:45). أنه أمير المؤمنين!...، قال أبو عبد الله: من قال هذا فهو مشرك بالله عز وجل - ثلاثاً – بل عني الله بذلك نفسه)([3]).
فهذه الروايات عن آل البيت - وغيرها كثير - تبين موقفهم مما نسب إليهم كذباً من الأقوال والأفعال التي تناقض التوحيد وتدعوا إلى الشرك.
وفي الأسطر التالية سنبين – بإذن الله تعالى – جهود أئمة آل البيت في الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك ووسائله.
وقد قسمت هذا الموضوع إلى عدة مباحث:
المبحث الأول: معنى التوحيد.
المبحث الثاني: فضل التوحيد ومكانته عند آل البيت.
المبحث الثالث: خطورة الشرك بالله.
المبحث الرابع: جهود آل البيت في محاربة وسائل الشرك.
ومن هذه الوسائل:
- الغلو في الصالحين.
- الغلو في القبور.
- عمل التماثيل والصور.
المبحث الخامس: جهود آل البيت في محاربة مظاهر الشرك.
ومن هذه المظاهر:
1. دعاء غير الله.
2. الذبح لغير الله.
3. النذر لغير الله.
4. الحلف بغير الله.
5. السحر والكهانة.
6. الرقى وتعليق التمائم.
7. شرك الطاعة.
أولاً: معنى التوحيد:
التوحيد - بمعناه العام -: إفراد الله سبحانه بأفعال عباده وإفراده بأفعاله وأسمائه وصفاته.
والذي يهمنا في هذا المبحث، هو: توحيد الله بأفعال عباده، لأنه التوحيد الذي أرسلت لأجله الرسل، وأنزلت الكتب، يقول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:25).
وأما توحيد الله في أفعاله، فالمقصود به: توحيد " الربوبية "، والذي معناه: الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وخالقه ورازقه، وأنه المحيي والمميت، والذي بيده كل شيء.. وهذا التوحيد كان المشركون مقرين به في الجملة، بل لم يدخل قلوبهم في ذلك شك، يقول الله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (يونس:31).
أما التوحيد الذي كان أهم مهمات الأنبياء والمرسلين، ومن أجله خلقت الجن والإنس، والجنة والنار، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، هو توحيد الله في أفعال عباده، والمسمى بتوحيد " الألوهية ".
ولذلك جاء عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ما بعث الله نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خلال: الإقرار بالعبودية، وخلع الأنداد، وأن الله يقدم مايشاء ويؤخر ما يشاء ([4]).
ويقول أبو جعفر عليه السلام: كانت شريعة نوح عليه السلام أن يعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها)([5]).
وتوحيد الألوهية معناه: إثبات الإلهية لله وحده لا شريك له، وذلك بإفراده سبحانه بالعبادة، لأن العبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والتذلل والخضوع، وهذا كله لا يستحقه إلا الله سبحانه وتعالى، حيث إن (الإله) في اللغة: المألوه الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً، وخوفاً ورجاءً، وذلاً وخضوعاً وتعظيماً.. كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير معنى (الله)، فقال: هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق، عند انقطاع الرجاء من هو دونه، وتقطع الأسباب من كل ما سواه ([6])).
وهذه الصفات كلها لا تكون إلا لله وحده لا شريك له، ومن أشرك مخلوقاً مع الله فيها ؛ كان ذلك قدحاً في توحيده، لأن التوحيد ينبني عليه إخلاص العبادات كلها لله وحده لا شريك له، فلا يصرف شيئاً منها لغيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما من المخلوقين.
ولهذا ويقول أبو عبدالله عليه السلام في رسالة لأصحابه يبين فيها شأن الإخلاص لله بالعبادات والطاعات وعدم صرف شيء منها لغيره جل جلاله: واعلموا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم إلا طاعتهم له ([7]).
وهذا هو ضابط تحقيق هذا النوع من التوحيد – توحيد الألوهية – حيث إن الضابط في تحقيق التوحيد، هو تحقيق كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، المركبة من كلمتين: نفي وإثبات، نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى - كائناً ما كان - وإثبات الإلهية لله، بمعنى إخلاصها لله وحده.
والله سبحانه وتعالى كثيراً ما يقرن بين هذين الأمرين في كتابه، لتلازم أحدهما على الآخر، يقول تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(النحل: من الآية36)، (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)(النساء: من الآية36). (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)(البقرة: من الآية256)، (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ) (الرعد:36) .. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:25)... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في تقرير هذا الأصل الأصيل.
ومن الأحاديث عن أهل البيت في بيان ذلك، ما جاء عن أبي جعفر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) قال: إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق.. - وذكر كلاماً - وفيه أن آدم سأل الله تعالى: فما تريد بأخذك الميثاق عليهم؟ قال الله عز وجل: يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً..) ([8]).
فالعبادة بأنواعها، القلبية والعملية والقولية، من صلاة وزكاة وصيام وذكر، ومحبة وخوف ورجاء، واستغاثة واستعانة وذبح ونذر وطواف...،كلها يحرم صرفها لغير الله عز وجل، ومن صرف شيئاً منها لغيره فقد أشرك بالله سبحانه، كما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال الله تبارك وتعالى: أنا خير شريك، من أشرك بي في عمله لم أقبله، إلا ما كان لي خالصاً) ([9]).
ويقول أبو جعفر وأبو عبد الله عليه السلام: لو أن عبداً عمل عملاً يطلب به وجه الله والدار الآخرة، ثم أدخل فيه رضا أحد من الناس ؛ كان مشركاً) ([10]).
ثانياً: فضل التوحيد ومكانته:
جاء عن أهل البيت عليهم السلام الكثير من الأحاديث التي تبين فضل التوحيد، ورفعة مكانته، وعظيم شأنه وأنه أصل الأصول، من هذه الأخبار:
ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة) ([11]).
وجاء - أيضاً - عنه عليه السلام أنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: التوحيد ثمن الجنة) ([12]).
وورد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (من شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً وجبت له الجنة) ([13]).
وورد عنه - أيضاً - عليه السلام أنه قال: (من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، وإخلاصه أن يحجزه (لا إله إلا الله) عما حرم الله) ([14]).
وجاء عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (إن الكفار والمشركين يعيرون أهل التوحيد في النار، ويقولون: ما نرى توحيدكم أغنى عنكم شيئاً، وما نحن وأنتم إلا سواء، قال: فيأنف لهم الرب تعالى، فيقول للملائكة: اشفعوا، فيشفعون لمن شاء الله، ثم يقول للنبيين: اشفعوا، فيشفعون لمن شاء الله، ثم يقول للمؤمنين: اشفعوا، فيشفعون لمن شاء الله، ويقول: أنا أرحم الراحمين،اخرجوا برحمتي) ([15]).
وجاء عنه - أيضاً - عليه السلام أنه قال: (ما من شيء أعظم ثواباً من شهادة أن لا إله إلا الله ، لأن الله عز وجل لا يعدله شيء، ولا يشركه في الأمر أحد) ([16]).
يقول المازندراني في شرحه لهذا الحديث: (لأنها كلمة الإخلاص والتوحيد،وينفي به الشريك والأنداد، ويوصفه بالصفات اللائقة به سبحانه، ويحكم باحتياج كل موجود سواه إليه، على أنها أصل لجميع العبادات، لا اعتداد بها ولا يترتب الثواب عليها إلا بعد هذه الكلمة الشريفة)([17]).
ويقول - أيضاً -: والثمن هو هذه الكلمة الشريفة – يقصد (لا إله إلا الله ) مع شرائطها) ([18]).
ثالثاً: خطورة الشرك:
الشرك – ونقصد به: شرك العبادة أو الشرك في الألوهية – ومعناه صرف شيء من العبادات لغير الله عز وجل، والشرك أعظم ذنب عصي الله به،وخطورته ترجع إلى أسباب عديدة، منها:
1. أن الشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وما عداه فهو داخل تحت المشيئة، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(النساء: من الآية48)، ويؤديد ذلك ما جاء عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله: فالشرك...)([19]).
2. أنه أكبر الكبائر، كما جاء عن موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله.. يقول الله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)(المائدة: من الآية72)([20]). ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: الكبائر تسع أعظمهن الإشراك بالله عز وجل)([21]).
3. أنه أبغض الأعمال إلى الله، كما جاء في حديث أبي عبد الله عليه السلام أن رجلاً من خثعم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:.... فأخبرني أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: الشرك بالله) ([22]).
4. أنه الظلم الأكبر، كما ورد في حديث ابن مسعود في قوله تعالى: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)(الأنعام: من الآية82) قال لما نزلت هذه الآية شق على الناس، وقالوا: يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه؟! فقال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح عليه السلام: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(لقمان: من الآية13) ([23]). فالظلم هو سلب حق الغير، وأظلم الظلم أن تسلب حقوق الله وخصائصه الإلهية لغيره.
5. أن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق في الخصائص الإلهية، فإن الذي يملك النفع والضر هو الله وحده، فإذا اعتقد عبد أن أحداً من المخلوقين - ولو كان نبياً أو إماماً - يقدر على النفع والضر من دون الله فهذا شرك. وتشبيه للمخلوق بالخالق جل جلاله.
6. أن الشرك يستلزم منه أن المشرك يرد النصوص التي لا تعد ولا تحصى القاضية بأن الله وحده له الخلق والأمر: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)(لأعراف: من الآية54)، فمن جعل شيئاً منها لمخلوق ولو كان نبياً مرسلاً أو ملكاً مقرباً ؛ فقد رد هذه الآيات،وفيه غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن عبادته.
7. أن صاحبه حلال الدم والمال، قال تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ)(التوبة: من الآية5).
8. صاحب الشرك مخلد في النار، قال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)(المائدة: من الآية72).
9. أن الشرك محبط لجميع الأعمال، قال تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: من الآية88).
رابعاً: جهود آل البيت في محاربة وسائل الشرك:
وسائل الشرك نعني بها الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الشرك الأكبر.
وهذه الأسباب أو الوسائل عديدة، لكن نذكر أهمها:
أ- الغلو في الصالحين:
الغلو في الصالحين هو أصل الشرك قديماً وحديثاً، فإن الله تعالى لما أنزل آدم عليه السلام إلى الأرض كان التوحيد هو السائد، وظل هذا الأمر بعده حتى قوم نوح، ثم وقع الشرك فيهم، وكان سببه الغلو في الصالحين، فقد جاء عن جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) (نوح:23) قال: كانوا يعبدون الله عز وجل، فماتوا، فضج قومهم، وشق ذلك عليهم، فجاء إبليس لعنه الله، فقال: أتخذ لكم أصناماً على صورهم، فتنظرون إليهم، وتأنسون بهم وتعبدون الله، فأعد لهم أصناماً على مثالهم،فكانوا يعبدون الله عز وجل وينظرون إلى تلك الأصنام، فلما جاءهم الشتاء والأمطار أدخلوا الأصنام البيوت، فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل حتى هلك ذلك القرن، ونشأ أولادهم فقالوا: إن آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء، فعبدوهم من دون الله عز وجل) ([24]).
فهذه الرواية تبين أن سبب وقوع الشرك في القديم، إنما هو الغلو في الصالحين، وإعطائهم منزلة فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، فإن عمل تماثيل لهم، والعكوف عليهم من الغلو في حقهم.
وهكذا كأن أصل وسبب وقوع الشرك في هذه الأمة، هو – أيضاً – الغلو في الصالحين ؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما مات إلا وقد استأصل جذور الشرك، وهدم أركانه، وبنى صرح التوحيد عالياً، وحمل هذه الأمانة العظيمة من بعده من آل بيته وأصحابه - رضوان الله عليهم – فقاموا بذلك خير قيام، وكانوا خير خلف لخير سلف، فحافظوا على التوحيد من أن يدنسه أو يشوبه شيء، ونشروا هذه العقيدة شرقاً وغرباً، حتى دخل الناس في دين الله أفوجاً، وقد غاض ذلك أعداء الله من اليهود والنصارى والملل الكافرة، فلجئوا إلى خديعة خدعوا بها الناس، يكون بها القضاء على أصل الدين وأساسه وهو التوحيد، فأظهروا الإسلام نفاقاً ليكيدوه من داخله، وأعلنوا حب آل بيته الطاهرين، وغلوا في هذا الحب حتى رفعوا منزلتهم البشرية إلى منزلة الألوهية، وادعوا لهم الربوبية، وكان أول من قال بهذه العقيدة الفاسدة رجل يهودي اسمه (عبد الله بن سبأ) فأظهر الإسلام، ثم قال بألوهية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وزعم أن له كثيرا من الخصائص والصفات الإلهية، فهو يتصرف في الكون وله الحياة المطلقة، وأنه ما مات، بل رفعه الله إليه كما رفع عيسى عليه السلام، وسوف يرجع وينتقم ممن سلبوه حقه وحق آل بيته، وأنه يسمع من يدعوه.... فغلا في صفاته حتى آل به الأمر أن قال بأنه الله – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – وتبعه بعض الناس الذين دخلوا الإسلام لنفس الغاية وهي هدم أصل الدين (التوحيد).
وقد قام آل البيت بجهود عظيمة في وأد هذه الفتنة الخبيثة، واستئصال جذورها، والتصدي لأتباعها، ومحاربتهم واستتابتهم وحرقهم، فقد جاء عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: أتى قوم أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: السلام عليك ياربنا!! فاستتابهم، فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة وأوقد فيها ناراً، وحفر حفيرة إلى جانبها أخرى وأفضى بينهما، فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة، وأوقد في الحفيرة الأخرى حتى ماتوا([25]).
وروى الكشي عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (يا أبا محمد: ابرأ ممن زعم أنا أرباب! فقلت: برئ الله منه، فقال ابرأ ممن زعم أنا أنبياء، فقلت: برئ الله منه) ([26]).
وفيه - أيضاً – عن ابن مسكان عنه – أبي عبد الله – عليه السلام قال: لعن الله من قال فينا مالم نقله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا، وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا)([27]).
حتى تواتر النقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: يهلك فيّ اثنان: محب غال، ومبغض غال)([28])
بل كان أئمة آل البيت عليهم السلام يحرصون على سد جميع طرق الغلو، فكانوا يكرهون أن يواجهوا بالمدح، فيفضي بأولئك المداحين إلى الغلو في حقهم، فقد جاء أن قوماً مدحوا أمير المؤمنين عليه السلام في وجهه، فنهاهم عن ذلك، وكان مما قال عليه السلام:
(وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء،ولست بحمد الله كذلك، لو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً لله سبحانه عن تناول ماهو أحق به من العظمة والكبرياء) ([29]).
ثم يعترف بحقيقته البشرية، وأنه يخطيء كما يخطئون، وليس بمعصوم، فيقول: (فإني لست في نفسي بفوق أن أخطيء، ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني) ([30]).
ثم يعلن أنه يتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، فيقول: (فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب، لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه إلى مصالحنا عليه السلام، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى) ([31]).
وهكذا كان بقية أئمة آل البيت، يتبرئون من حولهم وقوتهم، ويعلنون أنهم عبيد لربهم، لا يقدرون على النفع والضر، فيقول الصادق عليه السلام: (فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله مالنا من حجة ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون، ومقبورون، ومنشورون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسؤولون ([32]).
فهؤلاء أئمة آل البيت أمرنا الله عز وجل بمحبتهم المحبة الشرعية، لا غلو ولا تفريط، والاقتداء بهم في الحق، وطاعتهم في غير معصية الله، بل إن غاية تعظيمهم ومحبتهم أن ننزلهم منازلهم من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم، فهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، ونهانا عن الغلو فيهم، فلا نرفعهم فوق منزلتهم، ولا نحطهم منها، بل نكون وسطاً: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)(البقرة: من الآية143) وعدم الوسطية معناها الوقوع في الضلالة، فإن الغلو في المحبة يوقع في الشرك، والغلو في البغض يوقع في النفاق، فمحبة آل البيت من الإيمان وبغضهم من النفاق، وهذا ما قصده أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: سيهلك فيّ صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق) ([33]).
ب- الغلو في القبور:
الغلو في القبور إنما هو أثر من آثار الغلو في الصالحين، وذلك أن الغلو في القبور إنما ينبع من الغلو في صاحب القبر، وهو غالباً من الصالحين.
وإن من أعظم أسباب الشرك في هذه الأمة والأمم السابقة – الغلو في القبور، وذلك من خلال مخالفة المشروع مثل زخرفتها وتزيينها ورفع بنيانها، وعمل التصاوير فيها، حتى اتخذت مساجد ومزارات تشد إليها الرحال، وتصرف فيها كثير من العبادات لغير الله عز وجل، من دعاء، واستغاثة، واستعانة، واستعاذة، وطواف، وذبح، ونذر، وصيام، ويقال فيها أوراد وأدعية شركية... حتى اتخذت أنداداً من دون الله، وأماكن لعبادة غير الله سبحانه.
وهذا ما كان يخشى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وقوعه في أمته، فكان قبل وفاته يحذرهم وينهاهم من الغلو في قبره، فكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإن الله عز وجل لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ([34]).
وقد كان لأئمة آل البيت جهود عظيمة في محاربة الغلو في القبور، ومحاربة صوره الكثيرة، ومن هذه الصور:
1) التحذير من البناء عليها أو رفعها أو تطيينها:
فقد جاء عن علي بن جعفر أنه قال: سألت موسى الكاظم عليه السلام عن البناء على القبر والجلوس عليه... هل يصح؟ قال: لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه)([35]).
وورد عن أبي عبد الله – أيضاً – عليه السلام أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه)([36]).
وجاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، فقال: لا تدع صورة إلا محوتها، ولا قبراً إلا سويته، ولا كلباً إلا قتلته)([37]).
وورد عنه – أيضاً – عليه السلام أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هدم القبور وكسر الصور)([38]).
فهذه الأحاديث تدل على ضرورة هدم القبور وتسويتها بالأرض، وأما بالنسبة لمقدار رفعها عن الأرض، فقد جاءت النصوص في تحديد ذلك أنها ترفع ما بين أربع أصابع مفرجات إلى شبر واحد أو نحواً من ذلك، وأما ما زاد على ذلك فإنه يحرم رفعها ويجب هدمها، كما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام بذلك.
وبالنسبة للروايات فقد جاء عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: يدعى للميت حين يدخل حفرته، ويرفع القبر فوق الأرض أربع أصابع)([39]).
وهكذا أوصى كثير من أئمة آل البيت أولادهم عند وفاتهم، فقد جاء عن موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: إذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فألحدوني، ولا ترفعوا قبري أكثر من أربع مفرجات)([40]).
وجاء عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن أبي قال لي ذات يوم في مرضه: إذا أنا متُ فغسلني وكفني وارفع قبري أربع أصابع ورشه بالماء)([41]).
وجاءت بعض الرويات تبين أن مقدار رفع القبر هو شبر.
كما ثبت عن جعفر عن أبيه عليه السلام أن قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع شبراً من الأرض، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر برش القبور)([42]).
2) التحذير من بناء المساجد عليها أو اتخاذها قبله أو الصلاة عندها:
فقد جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تتخذوا قبوركم مساجدكم، وبيوتكم قبوراً)([43]).
وجاء عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: الصلاة بين القبور، قال: صل في خلالها، ولا تتخذ شيئاً منها قبلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك، وقال: ولا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإن الله لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)([44]).
وورد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي على القبر، أو يقعد عليه، أو يبنى عليه)([45]).
وثبت عنه – أيضاً – عليه السلام أنه قال: عشرة مواضع لا يصلى فيها... وذكر منها: القبور)([46]).
يقول أبو جعفر الصدوق معقباً على هذا الحديث: وأما القبور فلا يجوز أن تتخذ قبلة ولا مسجداً، ولا بأس بالصلاة بين خللها مالم يتخذ شيء منها قبلة، والمستحب أن يكون بين المصلي وبين القبور عشرة أذرع من كل جانب)([47]). وهذا كله مسداً لذريعة الشرك.
وهنا لا بد أن نشير إلى مسألة هامة، يحاول فيها البعض أن يعترض على هذه النصوص بشبهة مضمحلة، وهي أنه يستثني من هذا النهي: قبور الأنبياء والأئمة عليهم السلام، ويوردون أدلة تناقض هذا الأصل العظيم، وهو سد الذرائع الموصلة إلى الشرك وقطع وسائله، ومنها التعظيم والغلو في القبور.
وللرد على هذه الشبهة: نقول هناك جواب نقلي وعقلي:
فأما العقلي: فإنه من المتقرر عقلاً أن الشرك بالصالحين (وعلى رأسهم الأنبياء والأئمة) أقرب إلى النفوس من غيرهم من المخلوقين، لأنه يظهر في قالب المحبة والتعظيم، فوجب النهي عن الغلو فيهم، والنهي عن الغلو في قبورهم، فلا ترفع كثيراً ولا تزخرف ولا يبنى عليها ولا تتخذ قبلة ولا مسجداً ولا يصلى عندها.. كل هذا قطعاً لوسائل الشرك.. .
وأما الدليل النقلي: فقد جاءت أدلة نقلية صحيحة عن أئمة آل البيت، من أقوالهم أنفسهم، في النهي عن الغلو في قبورهم، حيث أنهم أمروا ووصوا عند وفاتهم بعدم رفع قبورهم، أو اتخاذها قبلة أو مسجداً، من هذه الأدلة:
ما جاء عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن أبي استودعني ما هناك فلما حضرته الوفاة، قال: ادع لي شهوداً، فدعوت أربعة من قريش، فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه – إلى أن قال – وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد، وأمره أن يكنفه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة، وأن يعممه بعمامته، وأن يرفع قبره، ويرفعه أربعة أصابع..)([48]).
وفي رواية أخرى أنه عليه السلام قال: إن أبي أمرني أن أرفع القبر من الأرض أربع أصابع مفرجات وذكر أن رش القبر بالماء حسن)([49]).
وفي رواية أخرى أنه عليه السلام قال: أمرني أبي أن أجعل ارتفاع قبره أربع أصابع مفرجات...)([50]).
وثبت عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: إذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش، فألحدوني بها، ولا ترفعوا قبري أكثر من أربع أصابع مفرجات)([51]).
بل جاءت وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقد جاء من حديث أبي جعفر عليه السلام أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: يا علي! ادفني في هذا المكان، وارفع قبري من الأرض أربع أصابع، ورش عليه من الماء)([52]).
وهذا ما حكاه جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام أنه قال: إن قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع شبراً من الأرض، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر برش القبور)([53]). وفي رواية أخرى من حديث علي عليه السلام أنه قال: أن قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع من الأرض قدر شبر وأربع أصابع)([54]).
وهكذا جاء عنهم – أئمة آل البيت – النهي في اتخاذ قبورهم – أنفسهم – قبلة أو مسجداً، وهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم - سيد الأولين والآخرين – ينهى أمته عن اتخاذ قبره قبلة أو مسجداً، فقد ثبت عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإن الله عز وجل لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)([55]).
ج _ عمل الصور والتماثيل:
ونعني بالصور والتماثيل: صور ذوات الأرواح، خصوصاً الأنبياء والصالحين، لما فيهم من الفتنة العظيمة بهم.
ومن جهود جهود آل البيت في حماية جناب التوحيد وسد طرق الشرك ؛ نهيهم الشديد عن صنع الصور والتماثيل، لأنه كما مر معنا – أن من أسباب وقوع الشرك وعبادة الأصنام في القديم، في قوم نوح، هو عمل التماثيل للرجال الصالحين ([56])، وأيضاً لما فيه من مضاهاة لخلق الله تعالى.
ولهذا جاءت نصوصهم في التحذير من عمل الصور والتماثيل، والأمر بطمسها وإزالتها، ومن هذه النصوص:
ما ثبت عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: بعثني رسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، فقا ل: لا تدع صورة إلا محوتها، ولا قبراً إلا سويته، ولا كلباً إلا قتلته)([57]).
ومنها، ما جاء عنه - أيضاً – عليه السلام أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هدم القبور وكسر الصور)([58]).
وأيضاً ورد عنه عليه السلام أنه قال: من جدد قبراً، أو مثل مثالاً فقد خرج من الإسلام)([59]).
وجاء عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إن الذين يؤذون الله ورسوله هم المصورون، يكلفون أن ينفخوا فيها الروح)([60]).
وثبت عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ثلاثة معذبون يوم القيامة،.. ومنهم: رجل صور تماثيل يكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ)([61]).
خامساً: جهود آل البيت في محاربة مظاهر الشرك:
مظاهر الشرك كثيرة، لكن نذكر أهمها:
أ) دعاء غير الله:
الدعاء أعم من الاستغاثة، لأن الاستغاثة هي طلب الغوث، فلا يكون إلا من مكروب، أما الدعاء فيكون من مكروب وغيره.
والدعاء من أعظم العبادات وأجلها، كما قال أبو جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي...)(غافر: من الآية60) قال: هو الدعاء، وأفضل العبادة الدعاء)([62]).
وسئل أيضاً عليه السلام: أي العبادة أفضل؟ فقال: ما من شيء أفضل عند الله عز وجل من أن يسأل ويطلب مما عنده..)([63]).
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: أحب الأعمال إلى الله عز وجل في الأرض: الدعاء)([64]).
بل إن الدعاء هو العبادة، يقول أبو عبدالله عليه السلام: الدعاء هو العبادة)([65]). وإذا كان من المتقرر عند علماء المسلمين جميعاً، أن صرف أي عبادة لغير الله عز وجل من الشرك بالله تعالى، فإن صرف الدعاء – الذي هو أعظم العبادات - لغير الله عز وجل من الشرك به سبحانه وتعالى.
وقد جاءت نصوص القرآن الكريم بتأكيد هذا الأمر العظيم (وهو أن دعاء غير الله تعالى من الشرك به سبحانه): يقول الله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر:13-14) وجه الدلالة من الآية، قوله:(يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) فسمى الله فعل أولئك من دعاء غير الله شركاً.
من الأدلة أيضاً: قوله تعالى: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)(هود: من الآية101). ووجه الدلالة منها: أن الذين يدعون من دون الله، إنما هي آلهة لهم يعبدونها، وهذا هو الشرك الأكبر.
ويقول تعالى - أيضاً -: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (المؤمنون:117) ووجه الدلالة منها: أن الذي يدع مع الله أنه من الكافرين والمشركين.
وأيضاً، يقول الله تعالى: (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ...)(القصص: من الآية88) ووجه الدلالة: أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر بدعائك له.
ومن الأدلة -أيضاً- قوله تعالى: (وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ)(النحل: من الآية86) ووجه الدلالة: أن هؤلاء اعترفوا على أنفسهم أنهم مشركون بسبب أنهم كانوا يدعون غير الله عز وجل... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة والصريحة في القرآن أن الدعاء والاستغاثة بغير الله شرك أكبر.
وهكذا جاء عن آل البيت أحاديث كثيرة في بيان أن دعاء غير الله من الشرك الأكبر، ومنها ما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا يكون العبد مشركاً حتى يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يدعو لغير الله عز وجل)([66]).
فعد الدعاء لغير الله شركاً.
ويقول الكاشاني في قوله: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ)(يونس: من الآية106) إن دعوته (وَلا يَضُرُّكَ)(يونس: من الآية106) إن خذلته (فَإِنْ فَعَلْتَ)(يونس: من الآية106) أي: فإن دعوته (فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ)(يونس: من الآية106) فإن الشرك لظلم عظيم)([67]).
على خلاف ما يفعله كثير من المسلمين اليوم، من دعاء الأموات والاستغاثة بهم والالتجاء إليهم لدفع ضر أو جلب نفع... فاعتقدوا فيهم النفع والضر، وقد نزه الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يقول أنه يملك الضر والنفع، فقال: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الجـن: من الآية 21-22) فهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه سيد البشر وأفضل المخلوقات على الإطلاق، يخبر الله عنه أنه لا يملك لأحد ضراً ولا رشداً، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حال حياته لا يستطيع ذلك، فمن باب أولى غيره، ومن باب أولى الأموات.
بل أخبر الله عنه، أنه لا يملك حتى لنفسه النفع والضر، فكيف بغيره من المخلوقين، فقال تعالى عنه: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:188)
كما يقول الكاشاني: في قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نفعاً) (المائدة: من الآية76) يقول:يعني عيسى عليه السلام، فإنه كان لا يملك شيئاً من ذلك من ذاته، وإن ملك شيئاً منه فإنما هو بإذن الله وتمليكه إياه)([68]).
وهكذا كان هدي أهل البيت ومنهجهم، فلا يلجئون ولا يسألون أحداً إلا الله وحده، ويقرون أنهم لا يملكون النفع والضر، لا لأنفسهم ولا لغيرهم إلا إذا شاء الله، فإنهم يصابون كما يصاب البشر بالبلاء والمرض والفقر، بل إنهم من أكثر الناس ابتلاء، كما قال الصادق عليه السلام: إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل)([69]).
فكانوا لا يلجئون إلى أحدٍ إلا إلى الله عز وجل، كما جاء عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يقول عند العلة: اللهم إنك عيرت أقواماً فقلت: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ...)(الاسراء: من الآية56) فيا من يملك كشف ضري ولا تحويله عني أحد غيره، صل على محمد وآل محمد، واكشف ضري وحوِّله إلى من يدعو معك إلهاً آخر، لا إله غيرك)([70]).
وكانوا يستعينون بالله ويستغيثون به في صرف البلاء ودفعه، أو جلب منفعة، فهذا أمير المؤمنين عليه السلام كان من دعائه: (اللهم أنت الغني عني، وبي الفاقة إليك، أنت الغني وأنا الفقير إليك، أقلتني عثرتي، وسترت عليّ ذنوبي، فاقض لي اليوم حاجتي، ولا تعذبني بقبيح ما تعلم مني، بل عفوك وجودك يسعني)([71]).
وكان أئمة آل البيت عليه السلام يعلمون أولادهم وأصحابهم ألا يسالون إلا الله وحده، فهذا علي بن الحسين عليه السلام يقول لابنه: يابني، من أصابه منكم مصيبة أو نزلت به نازلة، فليتوضأ، ويسبغ الوضوء، ثم يصلي ركعتين أو أربع ركعات، ثم يقول في آخرهن: يا موضع كل شكوى، يا سامع كل نجوى...)([72]).
وجاء عن أبي عبد الله عليه السلام أنه اشتكى بعض ولده، فقال: يا بني قل: اللهم اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، وعافني من بلائك، فإني عبدك وابن عبدك)([73]).
وكان يقول أبو الحسن موسى عليه السلام:... فإذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء والتضرع إلى الله عز وجل)([74]) وليس إلى غيره.
حتى إن أئمة آل البيت كان يأتي إليهم بعض أصحابهم، ويطلبون منهم أن يدعون الله لهم، وهم أحياء، فكانوا يرشدونهم إلى إلا يسألوا أحداً إلا الله وحده، حتى لا تتعلق قلوبهم بغيره أ، فقد جاء عن يعقوب بن سالم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له العلاء بن كامل: إن فلاناً يفعل بي ويفعل، فإن رأيت أن تدعو الله عز وجل، فقال: هذا ضعف بك، قل: اللهم إنك تكفي من كل شيء ولا يكفي منك شيء، فاكفني أمر فلان بم شئت وكيف شئت ومن حيث شئت وأنى شئت)([75]).
فهؤلاء الأئمة الأعلام من آل البيت، وهذه نصوصهم جلية واضحة، ترشد العباد إلى التوحيد الخالص، الخالي من شوائب الشرك، التي تغرس شجرة التوحيد في النفوس، فتؤتي أكلها طيباً مباركاً. وهذه النصوص رسالة إلى عباد القبور، الذين ما تنزل بهم مصيبة، أو تحل بهم نكبة أو بلاء، إلا وسارعوا إلى مراقد الصالحين وقبورهم، يدعونهم ويستغيثون بهم من دون الله عز وجل. ونقول لهؤلاء: إذا نزلت بكم الشدائد والمصائب.. بمن تستغيثون؟! وبمن تأملون؟! وبمن تعتصمون؟! هل تستغيثون بالله أم بالأئمة؟! هل تدعون الله أم الأئمة؟! هل ترجون الله أم الأئمة...؟!
أين أنتم من هذه الرواية التي جاءت عن سعيد بن عبد الرحمن أنه قال: كنت مع موسى بن عبد الله بن الحسن بينبع، وقد نفدت نفقتي في بعض الأسفار، فقال لي بعض ولد الحسين: من تؤمل لما قد نزل بك؟ فقلت: موسى بن عبد الله عليه السلام، فقال: إذاً لا تقضي حاجتك ثم لا تنجح طلبتك، قلت: ولم ذلك؟ قال: لأني قد وجدت في بعض كتب آبائي أن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي ومجدي، وارتفاعي على عرشي، لأقطعن أمل كل مؤمل (من الناس) غيري باليأس، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس، ولا نحينه من قربي، ولأبعدنه من فضلي، أيؤمل غيري في الشدائد؟! والشدائد بيدي، ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري، وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني....)([76]).
الذبح لغير الله:
الذبح (أو النحر) إذا قصد به التقرب إلى الله وحده لا شك أنه من العبادات، بل إنه من أعظم العبادات، لذا قرنه الله بأعظم أركان الدين وهو الصلاة، فقال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2) وجمع الله بينهما في هذه الآية لعلة وصفة جامعة بينهما، وهي أنهما يدلان على ذل العبد وخضوعه وتواضعه.
وقد أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلن لكفار قريش قصده وتوحيده في أفعاله وعباداته، وحياته ومماته، وخص من بين سائر العبادات الصلاة والنسك (الذي هو الذبح) وما ذلك إلا لعظم شأنهما، فقال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163).
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لما كان عليه المشركون من عبادة غير الله والذبح لهم، فأمره أن يعلن لهم أنه مخالف لهم في ذلك، وأن عباداته وأفعاله كلها لله وحده لا شريك له.
يقول الكاشاني في تفسيره لهذه الأية: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي...)(الأنعام: من الآية162) قال: أي عبادتي وقرباني، (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) – أي – وما أنا عليه في حياتي وأمرت عليه من الإيمان والطاعة لله رب العالمين خالصة له. (لا شَرِيكَ لَهُ) – أي – لا أشرك فيها غيره. (وَبِذَلِكَ) – أي – الإخلاص لله (أُمِرْتُ))([77]).
والذبح يكون عبادة إذا قصد به وجه الله وسمي عليه اسمه تعالى، ويكون شركاً إذا قصد به غيره أو سمي عليه اسم غيره، من الأوثان والمعبودات التي تعبد من دون الله، وتكون هذه الذبائح مما أهل لغير الله به، فيحرم أكلها، لأنها من الشرك بالله تعالى، والله لا يحل إلا طيباً، وهذا من الخبائث.
وقد جاء في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ...)(المائدة: من الآية3) أن ما أهل لغير الله به هو ما ذبح للأصنام أو للأشجار أو النيران أو لغيرها من المعبودات من دون الله ولو كان نبياً مرسلاً أو ملكاً مقرباً أو ولياً صالحاً.. فإنه لا فرق في ذلك التحريم بين ما كان لوثن أو لمخلوق صالح.. فالقصد فيها التقرب بالذبيحة لغير الله عز وجل.
يقول الكاشاني: في تفسير قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)(المائدة: من الآية3)
يقول: أي ما ذكر اسم غير الله عليه من الذبائح، وهي التي تتقرب بها الكفار بأسامي أندادهم التي اتخذوها من دون الله)([78]).
وجاء عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عما أهل لغير الله، فقال: ما ذبح لصنم، أو وثن، أو شجر حرم الله ذلك كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير)([79]).
وجاء عنه - أيضاً – عليه السلام في قوله تعالى: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)(المائدة: من الآية3) قال: كانوا يذبحون لبيوت النيران، وقريش كانوا يعبدون الشجر والصخرة فيذبحون لها..)([80]).
وجاء عن محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام أنه كتب إليه في جواب مسائله: وحرم ما أُهل لغير الله به، للذي أوجب الله على خلقه من الإقرار به، وذكر اسمه على الذبائح المحللة، ولئلا يسوى بين ما تقرب به إليه وبين ما جعل عبادة للشياطين والأوثان، لأن في تسمية الله عز وجل، الإقرار بربوبيته على الذبيحة فرقاً بين ما أحل الله وبين ما حرم الله)([81]).
وجاء عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:.. لا يكون العبد مشركاً حتى يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يدعو لغير الله)([82]).
ففي هذا النص عن الإمام الصادق عليه السلام ما يدل على أن من ذبح لغير الله كمن صلى لغيره، لا فرق بينهما، فكلاهما من العبادات التي صرفت لغير الله.
ولا بد أن يعلم أنه لا فرق في الوقوع في الشرك بين من قرب لغير الله ذبيحة عظيمة أو حقيرة، فإنه من الشرك الأكبر الموجب للخلود في النار، والدليل على ذلك، ما جاء عن أبي عبدالله عليه السلام أنه ذكر أن سلمان قال: إن رجلاً دخل الجنة في ذباب، وآخر دخل النار في ذباب، فقيل له: وكيف ذا يا أبا عبد الله؟! قال: مرا على قوم في عيد لهم، وقد وضعوا أصناماً لهم، لا يجوز بهم أحد حتى يقرّب إلى أصنامهم قرباناً، قل أم كثر،فقالوا لهما: لا تجوزا حتى تقربا كما يقرب كل من مر، فقال أحدهما: ما معي شيء أقربه، فأخذ أحدهما ذباباً فقربه، ولم يقرب الآخر، فقال: لا أقرب إلى غير الله عز وجل شيئاً، فقتلوه فدخل الجنة، ودخل الآخر النار)([83]).
ففي هذا الأثر بيان خطورة الذبح لغير الله ولو كان في شيء قليل، وأنه يوجب دخول النار. فمع أن هذا الرجل قرب أدنى الحيوانات وأحقرها كان جزاؤه النار، فكيف بمن يقرِّب قرباً عظيماً، بل كيف بمن يعيش حياته كلها على التقرب والذبح لغير الله عز وجل، ما تصيبه بلوى أو تنزل عليه مصيبة، أو أراد منفعة إلا وقرب ذبيحة لغير الله، إما لأحد الأئمة أو لأحد الأولياء الصالحين،قاصداً به أن يكشف عنه تلك البلية أو المصيبة أو يجلب له تلك المنفعة.. فيالله كم تذبح الذبائح لغير الله!... ويالله كم تنحر النحائر لغيره سبحانه!! الذي لا يجوز أن تذبح ذبيحة إلا له وحده تعالى.
النذر لغير الله عز وجل:
الوفاء بالنذر من العبادات والطاعات التي امتدح الله الموفين به، كما قال تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)(الانسان: من الآية7) ووجه الدلالة من هذه الآية: أن الله تعالى مدح الموفين بالنذر، والله لا يمدح فعلاً إلا إذا كان واجباً أو مستحباً أو إذا ترك محرماً، ولا يمدح على فعل مباح،والوجوب والاستحباب داخلتان في دائرة العبادة، فيظهر بذلك أن الوفاء بالنذر من العبادات.
لذلك فإن صرف هذه العبادة (النذر) لغير الله من الشرك الأكبر.
ولهذا فإن من نذر بشيء فإنه يشترط للوفاء به أن يكون لله وحده، وأما إذا كان لمخلوق فإنه لا يوفي بنذره، لأنه شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله تعالى.
يقول السيد محمد الموسوي الشيرازي – بعد كلامه عن النذر – قال: راجعوا في هذه الكتب([84]) (باب النذر)، فتجدوا إجماع فقهائنا أن النذر عمل عبادي، يجب فيه شرطان:
الأول: نية القربة، أنه ينذر قربة إلى الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه.
الثاني: إجراء صيغة النذر بهذا الشكل: لله عليّ أن أفعل كذا وكذا أو أترك كذا وكذا...
ثم قال: وأما إذا نوى النذر لغير الله سبحانه أو أشرك معه آخر، سواء أكان نبياً أو إماماً أو غيره فالنذر باطل، وإذا نذر على الصورة الأخيرة عالماً بالمسألة، فإن عمله حرام وشرك بالله عز وجل فقد قال الله تعالى: (وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([85])(الكهف: من الآية110)
ويقول - أيضاً -: فالنذر يكون لله وحده لا شريك له...)([86]).
ويقول - أيضاً -: ولكن إذا لم يذكر الله كأن يقول: نذرت للنبي أو الإمام أو الفقيه... إلى آخره. كل هذه الصيغ باطلة غير صحيحة، وكذلك إذا ذكر الله سبحانه مع آخر.. كأن يقول: نذرت لله وللنبي، أو نذرت لله ولفلان.. فهو باطل غير صحيح..)([87]).
ونحن نورد نصوصاً عن أئمة أهل البيت في بيان حرمة النذر لغير الله،وأنه يشترط في الوفاء به أن يكون لله وحده، فمن هذه النصوص:
ما جاء عن أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال: علي نذر؟ قال: ليس النذر بشيء حتى يسمي لله صياماً أو صدقة أو هدياً أو حجاً)([88]).
وجاء عن سعيد الأعرج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله ويحرم بحجه والهدي؟ فقال: ما جعل لله فهو واجب عليه)([89]).
وورد عنه - أيضاً – عليه السلام أنه قال: إنما الهدي ما جعل هدياً للكعبة، فذلك الذي يوفي به إذا جعل لله، ولا هدي لا يذكر فيه الله)([90]).
وبهذا نعلم ما عليه عباد القبور والأولياء من الضلال والشرك، فلو رأيتهم وهم يقدمون النذور والقرابين إلى الموتى، وكيف أحوالهم وأوضاعهم، من شرائهم القرابين باهضة الثمن، وقطعهم الفيافي البعيدة، وانكسار نفوسهم وخوفهم أن لا يقبله الولي، وذلهم وخضوعهم له، ورجاؤهم الشديد في تقبله، وإذا حصل على إثر ذلك جلب المنفعة أو دفع المضرة للناذر نسبها إلى الولي، وإذا لم تحصل المنفعة أو لم تدفع المضرة نسب ذلك إلى تقصيره هو في جانب وليه، وأنه غاضب عليه... فمن يشاهد هذه الأحوال والأوضاع والهيئات عند هؤلاء يجزم الشخص بأن أولئك يعتقدون في المنذور له أنه ينفع ويضر، ويعطي ويمنع، إما بنفسه أو بقوة سببيه فيه.
وهذا هو الشرك بعينه.. فالله المستعان!
الحلف بغير الله عز وجل:
الحلف هو تأكيد المحلوف عليه السلام بذكر من يعظمه الحالف والمحلوف له، وهذا التعظيم خاص بالله عز وجل، فلا يجوز الحلف إلا بالله أو بأحد أسمائه وصفاته، وماعدا ذلك من المخلوقات لا تجوز مطلقاً، وهو من الشرك بالله، وقد يكون هذا الشرك شركاً أكبر، وهو في حالة ما إذا اعتقد التعظيم في المحلوف به مثل تعظيم الله تعالى.
ويكون شركاً أصغر فيما عدا ذلك.
وقد جاءت نصوص كثيرة عن أئمة آل البيت في بيان تحريم الحلف بغير الله، ومن هذه النصوص:
ما جاء عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المناهي – أنه نهى أن يحلف الرجل بغير الله، وقال: من حلف بغير الله فليس من الله في شيء... ونهى أن يقول الرجل للرجل: لا وحياتك، وحياة فلان)([91]).
وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: شرك طاعة قول الرجل: لا والله وفلان)([92]).
وجاء عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحلفوا إلا بالله، ومن حلف بالله فليصدق)([93]).
بل حتى لو كان الحالف على غير ملة الإسلام فلا يحلف إلا بالله عز وجل، فقد ثبت عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا يحلف بغير الله، وقال: اليهودي والنصراني والمجوسي، لا تحلفوهم إلا بالله عز وجل)([94]).
وجاء عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته: هل يصلح لأحدٍ أن يُحَلِّف أحداً من اليهود والنصارى والمجوس بآلهتهم؟ قال: لا يصلح لأحدٍ أن يُحَلِّف أحداً إلا بالله عز وجل)([95]).
وورد عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أهل الملل يستحلفون؟ فقال: لا تحلفوهم إلا بالله عز وجل)([96]).
وأوضح من ذلك ما جاء عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد الله عليه السلام أن المنصور قال له: رفع إليّ أن مولاك المعلى بن خنيس يدعو إليك، ويجمع لك الأموال، فقال: والله ما كان، فقال لا أرضى منك إلا بالطلاق والعتاق والهدي والمشي، فقال: أيالأنداد من دون الله تأمرني أن أحلف؟! إنه من لم يرضَ بالله فليس من الله في شيء)([97]).
وجاء عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف:106) قال: من ذلك قول الرجل: لا وحياتك)([98]).
وجاء عن العلاء، قال: سأله أبا جعفر عليه السلام عن قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) (الواقعة:75) قال: أعظمَ أثم من حلف بها)([99]).
وجاء - أيضاً – بهذا المعنى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: عظَّم أمر من يحلف بها)([100]).
فهذه نصوص أئمة آل البيت، تبين وتدل على حرمة الحلف بغير الله عز وجل، حتى لو كان الحالف يعبد إلهاً غير الله عز وجل: كالمجوس، ومع ذلك ليس له أن يحلف إلا بالله وحده، وذلك لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيم المحلوف به، فوجب أن يكون الحلف به سبحانه.
وقاعدة أهل البيت في هذا الباب، كما قاله شيخ الطائفة الطوسي: اليمين المنعقد عند آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي أن يحلف الإنسان بالله تعالى، أو بشيء من أسمائه، أي اسم كان، وكل يمين بغير الله أو بغير اسم من أسمائه فلا حكم له... ثم قال: ولا يجوز لأحد أن أن يحلف بالقرآن([101])، ولا بوالديه، ولا بالكعبة، ولا النبي، ولا أحد من الأئمة عليهم السلام، فمن حلف بشيء من ذلك كان مخطئاً)([102]).
فهذا بيان منه أنه يحرم الحلف بغير الله ولو كان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بأحد الأئمة عليهم السلام، وفي هذا رد على بعض الجهلة الذين يحلفون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بالأئمة عليهم السلام، فيقولون: والنبي أنه كذا وكذا، أو: والحسين أنه كذا وكذا، أو: أقسم بالحسين أنه كذا وكذا.. إلى غير ذلك مما فيه الشرك بالله في خصيصة من خصائصة.
ولايستدل أحد على جواز الحلف بغير الله عز وجل بأدلة أن الله تعالى أقسم ببعض مخلوقاته في القرآن الكريم كقوله: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا...) (الشمس:1-2)
وكقوله: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى...) (الضحى:1-2) وغيرها.
فإن لله أن يقسم بما شاء من خلقه ليعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها.
وقد جاء عن محمد بن مسلم، أنه قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: قول الله عز وجل: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) (الليل:1)، (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) (لنجم:1) وما أشبه ذلك؟ فقال: إن لله عز وجل أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به)([103]).
السحر والكهانة:
ونقصد به السحر المناقض للتوحيد، الذي يبلغ بصاحبه الكفر .
والسحر والكهانة يقع الشرك فيهما من جهتين: من جهة ادعاء علم الغيب. ومن جهة الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
فمن حيث الجهة الأولى فإنه من المعلوم أن علم الغيب صفة من صفات الله التي يختص بها وحده، فلا يشاركه فيها أحد من خلقه، قال تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)(النمل: من الآية65).
ومن حيث الجهة الأخرى: فإن من المعلوم أن الساحر أو الكاهن يستعين بالجن والشياطين في تحقيق مآربه وطلاعه على الغيب، ولا يمكن أن يكون الجن والشياطين تحت تصرفه إلا بالتقرب إليهم بشيء شركي أو كفري،كأن يصرف لهم أي عبادة من العبادات كالسجود أو الذبح أو غيرهما، وهذا من الشرك الأكبر يقول تعالى: (وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(الكهف: من الآية110).
وقد دلت النصوص القرآنية على أن عمل الساحر من الكفر بالله جل جلاله، قال تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)(البقرة: من الآية102) يقول الكاشاني في تفسيره: يعني كفروا بتعليمهم الناس السحر الذي نسبوه إلى سليمان وداود)([104]).
ثم يقول الله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ)(البقرة: من الآية102) يقول الكاشاني: أي فلا تكفر باستعمال هذا السحر، وطلب الاضرار به، ودعاء الناس إلى أن يعتقدوا أنك به تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلا الله فإن ذلك كفر)([105]).
ثم يقول تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)(البقرة: من الآية102) يقول الكاشاني: (أي) ولقد علم هؤلاء المتعلمون لمن اشتراه بدينه الذي ينسلخ عنه بتعلمه (ماله في الآخرة من خلاق) من نصيب في ثواب الجنة.
ولايضاح ذلك أكثر، ننقل ما جاء عن أئمة آل البيت، على لسانهم، أن السحر من الكفر بالله، من هذه الأخبار:
ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: أيها الناس إياكم وتعلم النجوم، إلا ما يهتدى بها في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى الكهانة، والمنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار)([106]).
وجاء عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب)([107]).
ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من صدق كاهناً أو منجماً فهو كافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم)([108]).
وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أن من صدق الكاهن أو المنجم فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي الحديث الآخر: (فقد كفر بما أنزل الله من كتاب)، فإذا كان هذا فيمن صدق الكاهن والساحر فكيف بالساحر نفسه أو الكاهن!! فإنهما من الكافرين من باب أولى.
بل إن الكاهن من رءوس الكفر، وهو الطاغوت نفسه، كما قال المازندراني في شرحه لأصول الكافي، أن الطاغوت: الشيطان والأصنام والكاهن، وكل ما عبد من دون الله، وكل رئيس في الضلالة)([109]).
وليس هذا الحكم على من تضلع في السحر حتى كان ساحراً، بل إن مجرد تعلمه ولو قليلاً يأخذ حكمه، فلا فرق بين من تعلمه كثيراً أو قليلاً، والدليل على ذلك، ما جاء عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام، أن علياً عليه السلام قال: من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً، فقد كفر، وكان آخر العهد بربه، وحده أن يقتل إلا أن يتوب)([110]).
الرقى والتمائم:
التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم يتقون بها النفس والعين بزعمهم، فأبطله الإسلام.
وإن من الشرك المنتشر كثيراً بين الناس في هذه الأيام تعليق التمائم والحروز ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.
وحكم هذا الفعل أنه يدور بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر،وذلك بحسب اعتقاد المرء وبحسب ما اشتملت عليه.
فإن كانت تشتمل على الاستغاثة بغير الله، فإنه شرك أكبر، لأن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من الشرك بالله تعالى.
أما إذا كانت تشتمل على أشياء ليست شركية، كتعليق آيات قرآنية أو أسماء الله وصفاته، فهذه وإن كانت كلمات شرعية، لكنها منهية لما تؤول إليه من التعلق بها والالتفات إليها من دون الله تعالى. لذلك فإنه ينهى عنها لما تؤدي إليه.
وأيضاً يختلف بحسب اعتقاد الشخص، فإن اعتقد أنها ترفع البلاء أو تدفعه بنفسها من دون الله عز وجل، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد أن أحداً غير الله ينفع ويضر.
وأما إن اعتقد أنها سبب لرفع البلاء أو دفعه، وليس لها تأثيراً بنفسها، وإنما المؤثر حقيقة هو الله تعالى، فهذا شرك أصغر، لأنه اعتقد أن سبباً ما لم يجعله الله سبباً شرعياً ولا قدرياً – أنه يدفع البلاء، وهذا شرك أصغر لأجل ما يقوم بقلب صاحبه من الالتفات إليها والتعلق بها.
وتعليق التمائم والحروز من ضعف توكل العبد أو عدمه بربه وخالقه، وقد سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عن التوكل، فقال: العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لا يعمل لأحد سوى الله، ولم يرج ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله، فهذا التوكل)([111]).
وبالنسبة للرقى، فإنه يشترط لجوازها ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
الثاني: أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
الثالث: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله عز وجل.
وإذا فقد أحد هذه الشروط فإن الرقية لا تجوز، لئلا يكون فيها شرك، أو يؤدي إلى الشرك، ويدل على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام: إن كثيراً من الرقى وتعليق التمائم شعبة من الإشراك)([112]).
وكثيراً من الرقى تكون بأسماء غير مفهومة، أو بأحرف مقطعة، أو رموز غريبة، لا يفهم معناها. فيخاف أن تكون شركية.
ومن أفضل الرقى وأعظمها تأثيراً التي جاءت في الشرع، نص عليها الشارع الحكيم، إما من القرآن الكريم، كما قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ...)(الاسراء: من الآية82).
أو من السنة الصحيحة، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلم الناس بربه، وكلامه وحي: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (لنجم:4).
ومن الأمثلة في القرآن الكريم، سورتي المعوذتين، فإنهما من أعظم الرقى الشرعية، وجاء أن سبب نزولهما أن لبيد بن عاصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. فنزلت هاتان السورتان، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلما يقرأ انحلت عقدة، ووجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خفة، فقام فكأنما نشط من عقال)([113])
ومن الرقى في السنة، ما جاء أن جبريل عليه السلام كان يرقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سحر، فكان يقول: (بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من حاسد وعين، والله تعالى يشفيك)([114]).
وأيضاً جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: رقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسناً وحسيناً، فقال: أعيذكما بكلمات الله التامات، وأسمائه الحسنى، كلها عامة، من شر السامة والهامة، ومن شر كل عين لامة، ومن شر حاسد إذا حسد)([115]).
وغيرهما مما جاء به النبي المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم.
وكثيراً من التمائم والحروز والرقى في هذه الأيام من أعمال الكهنة والمشعوذين والعرافين، الذين لعنهم أئمة أهل البيت، فهذا أبو عبد الله عليه السلام يقول: المنجم ملعون، والكاهن ملعون، والساحر ملعون)([116]).
وإن تصديق الكاهن يتحقق بتعليق ما يعمله من حروز وتمائم، وهذا هو الكفر بعينه، كما جاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من صدق كاهناً أو منجماً فهو كافر بما أنزل على محمد ص)([117]).
وقال - أيضاً – صلى الله عليه وآله وسلم: (من مشى إلى ساحر أو كاهن أوكذاب يصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل الله من كتاب)([118]).
وأوضح أمير المؤمنين عليه السلام ذلك أكثر، فقال: من جاء عرافاً فسأله وصدقه بما قال، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يقول: إن كثيراً من الرقى وتعليق التمائم شعبة من الإشراك)([119]).
فعد أمير المؤمنين عليه السلام كثيراً من الرقى والتمائم من الشرك بالله.
وجاء من حديث عمران بن حصين أن رجلاً دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي عضده حلقة من صفر (وفي رواية وفي يده خاتم من صفر، فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة.. قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهناً)([120]). وجاء - أيضاً – عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن التمائم والتِّوَلة)([121]).
يقول المجلسي في بيان معنى الحديث: التمائم جمع تميمة،وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم فأبطله الإسلام، وإنما جعلها شركاً لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه... والتِّوَلة: ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، ما جعله من الشرك، لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى)([122]).
شرك الطاعة:
من الشرك بالله تعالى، طاعة غير الله في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، واعتقاد ذلك، وذلك أن الطاعة نوع من أنواع العبادة، بل إنها هي العبادة، حيث أن العبادة هي طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأيضاً فسر الإله بالمعبود المطاع، لذلك فمن أطاع مخلوقاً في ذلك – غير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه المبلغ لأوامر الله - فقد عبده وأشركه مع الله في خصائصه، وكلمة التوحيد تقتضي إفراد الله بالطاعة ؛ لأن إفراد الله عز وجل بالتحليل والتحريم من مقتضيات التوحيد ولوازمه.
وقد قام أئمة أهل البيت بجهود عظيمة في محاربة هذا الشرك، الذي قلما يتنبه إليه كثير من الناس، لأنه شرك خفي، يظهر في صورة محبة الأئمة والصالحين وطاعة أولي الأمر.
فقد جاء عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)(التوبة: من الآية31) قال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون)([123]).
وقال - أيضاً – عليه السلام في قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً...) (مريم:81) قال ليست العبادة هي السجود والركوع، إنما هي طاعة الرجال، من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده)([124]).
وجاء عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)(التوبة: من الآية31) قال: والله ما صلوا لهم ولا صاموا، ولكن أطاعوهم في معصية الله)([125]).
وهنا ملاحظة هامة، حتى لا تفهم هذه المسألة خطأً، وهي:
أن من أطاع مخلوقاً في معصية الله، واعتقد بتحريم الحرام وتحليل الحلال، فهذا حكمه كسائر أصحاب الذنوب، وليس شركاً بالله.
أما من أطاع مخلوقاً في معصية الله، وأقر بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، فهذا هو الشرك بالله تعالى.
فيكون القصد من هذه النصوص عن أئمة أهل البيت في جعل من أطاع مخلوقاً في معصية الله أنه من الشرك، أنه يحمل على من فعل ذلك مع اعتقاده تحريم الحلال وتحليل الحرام.
وبهذا نعلم أن من أطاع أي مخلوق كان هذه الطاعة – غير الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - لأنهم المبلغين عن الله – في تحريم الحلال وتحليل الحرام، فإنه قد عبده، واتخذه شريكاً لله في صفة من صفاته، فإن الذي يحل ويحرم هو الله وحده: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (يوسف:40) فمن أشرك بالله في حكمه فهو كمن أشرك بالله في عبادته، ولا فرق بينهما البتة.
وهنا تنبيه آخر، وهو أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(النساء: من الآية59) أن أولي الأمر إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فطاعتهم تبع لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أما إذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لهم حينئذٍ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)([126]).
فهذه أيها القارىء عقيدة أهل البيت، وهذه جهودهم في محاربة الشرك ووسائله ومظاهره فتمسك بها إن كنت من أهل البيت أو محبا لهم لعلك تحشر معهم والمرء مع من أحب جعلنا الله وإياك منهم إنه سميع قريب.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد في العالمين إنك حميد مجيد.والحمد لله أولا وآخرا..