بعد كل هذه الآلام والمصاعب التي نلتها من أجل حبي له كنت أعيش تائهًا مشردًا مظلومًا غريبًا حيرانَ لا أدري إلى أين المصير..
فجأة.. لفت أنظاري شيء من بعيد، فتوجهت نحوه سريعًا، فإذا بي أسمع أصوات آلام وآهات قد هزت أركاني، وأرجفت فؤادي، فمدّ إليّ يديه وكأنه يُعرِّفني من أنا.
نظرت إلى عينيه المليئتان بالمآسي والدموع فأحسست شيئًا عجيبًا يسري في قلبي، فقلت في نفسي: لعله مشرد مثلي، وكنت أقرأ من الدموع المحلقة في عينيه قصص الظلم والتعذيب كما كنت أتصفح أوراق ظلم الجبابرة وقسوتهم عليه من نبرات صوته الحزين.
نعم. كان مثلي.. عاشق يبحث عن محبوبه، مجاهد غيور قد امتطى الصعاب والذلول، طائر حزين مقصوص الجناحين.
وبعد أن دققت النظر في عينيه الجميلتين سألته عن اسمه وقصته، فأجابني: بأن اسمه (مرتضى) في الماضي، و(مصعب) في الحاضر، و(مرشد الآخرين) في المستقبل، فتقدمت إليه رويدًا رويدًا لأسمع قصته بآذان صاغية وبعقل واعٍ وضمير حي..
لقد وجدته عالمًا ممتازًا، وطبيبًا حاذقًا، ومحبًا للحقيقة بكل ما تحمله هذه الكلمة من المعاني.
كان يعيش في الرفاهية والسعة، لكنه أبى إلا أن يُغادر ثراء أبيه الباذخ، ويرمي بنفسه في أحضان الفاقة بحثًا عن خلاص عقله وروحه.
أجل! في سبيل العقيدة الصحيحة الخالية من البدع والخرافات، وفي سبيل العشق الصادق لدين الصادق الأمين عليه صلوات ربي وتسليمه هجر جميع مظاهر العيش الرغيد، وطار بعيدًا عنها ليتعانق مع الفقر والفاقة والتشرد معتزًا، ويخالط سياط العقاب والتعذيب في السجون، ونيران الظلم والطغيان من أيدي الحكَّام اللئام.
وبعد أن رأيت الصدق في قوله، وقرأت الحقيقة في نفسه، والإخلاص في نيته تغلغل حبه في أعماق قلبي؛ فأحببته من كل نفسي.
نعم. من أجل عقيدته حالوا بينه وبين أهله وولده، وغصبوا منه ثروته وأمواله، وطردوه من الجامعة والحوزة، وأنزلوه من أعلى المراتب والمناصب؛ ظنَّا منهم أنهم بذلك يقتلون الإيمان فيه.
وأما هو فقد تقبَّل كل هذا بصدر رحب، ورحل بعيدًا عنهم حفاظًا على عقيدته وهدفه إيمانًا منه بذلك.
يعيش للأبد.. وقد عاش، وسوف يعيش في سطور التاريخ وفي صدور الرجال وعلى شفاه الصالحين.
جعل الله له لسان صدق في الآخرين!
وبعدما رأيت مرتضى، وسمعت منه ما حدث له من التعذيب والطرد والتشريد وغيرها ثم ثباته واستقامته على عقيدته ودينه تيقنت بأن الذي يخلص في عمله ويدرك الحقيقة من قلبه وعقله يسهل عليه أن يترك كل شيء فداءً لها وحفاظًا عليها، ويتقبَّل الصعب والذلول بصدر رحب في سبيلها.
من أجل إخلاصه وصدقه كان يجذب إلى نفسه كل من جالسه وخالطه، وإذا جلس مجلسًا كان الناس يقبلون عليه ويستمعون إلى دروسه ومحاضراته بآذان صاغية وقلوب متفتحة؛ لأن كلماته كانت كالنور الساطع الذي ينوِّر قلوب السامعين له، ويبين لهم الطريق الهادي إلى الحق والحقيقة، وكنت أحد الذين استفادوا منه، وقد تعلمت منه دروسًا في الإخلاص والإيثار والاستقامة على الدين والعقيدة والفداء لأجل الغاية السامية التي هي أعزُّ عَليَّ من الدنيا وما فيها.
ولكن! للأسف الشديد بعد أن اشتدت عليه المحن وأحاطت به من كل صوب وضاقت عليه السبل هاجر بعيدًا إلى الديار المجهولة، وتركني مغمومًا حزينًا.
وفي اللحظات الأخيرة وهو يودع ابني الصغير الذي تعلّق به تعلّق الفرخ بأمه ويحتضنه ويقبِّله؛ شعرت بأنه قد تذكر ابنه الصغير «نويد» وقد تحلقت الدموع في عينيه، وانقطعت نبرات صوته، ولكنه كان عزيزًا في نفسه، معتزًا بإيمانه، فكان يتمالك نفسه ويتظاهر بالفرح والسرور، ويتصنَّع البسمة تلو الأخرى لئلا يعرف أحد بما يدور في خلجات صدره، وما يكنُّه فؤاده.
ولا أنسى أبدًا تلك اللحظات الأخيرة التي قضيناها معًا، ولا ذلك البيت الذي كان يُردده بصوته الحزين، يعبر فيه عن آلام الفراق، فكان يردد:
روزها فكر من اين است همه شب سخنم كه چرا غافل از احوال دل خويشتنم
وهي تعني:
تفكيري الدائم بالنهار وكلامي طوال الليل لماذا أنا غافل عن أحوال قلبي
وكلَّما اشتكى من الآلام والمصائب - وقلَّما اشتكى مع كثرتها وشدتها - كنت أُصبره وأقوي عزيمته بهذه الآية التي كانت إكسير آلامه: ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) [التوبة:40]، ثم ودعته وعلى شفتي قوله تعالى: ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:173].
ولكن.. أين رحل؟ وفي أي الديار حلَّ؟ وما هو مصيره؟
حقًا! لولا القلم! ولولا الكلمات الجميلة والتعبير الصادق الأمين، ولولا الكتابة لما عرفنا عن سير الشخصيات العظمية وأحوالهم كهذه الشخصية الفريدة التي نحن نتحدث عنها ونقرأ سيرتها.
فيا أيها القلم! دعني أقبل جِرْمُكَ الصغير، وأشكر المولى عز وجل الذي أوجدك وخلقك لمنفعة عباده وأقسم بك تعظيمًا وتشريفًا لمقامك: ((ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)) [القلم:1].
إن في القراءة والمطالعة والتفكر في حياة الشخصيات العظيمة من السابقين دروس وعبر لللاحقين، ونماذج وقدوة لهم ليقتدوا بها؛ ولذلك طلب بعض الأحباب والأصدقاء من هذا الغريب الشريد الذي خرج مهاجرًا إلى ربه وكان يعيش بينهم أن يُسطِّر قصة حياته المليئة بالمآسي والأحزان؛ عسى أن تكون شمعة في طريق الذين يبحثون عن الحقيقة، وعسى أن تكون سببًا «لنويد» الصغير أن يتذكر أباه المشرَّد، وأن يتعرَّف عليه، وعسى أن تكون سببًا في أن يدرك والداه فيحنوان على ابنهما ويعودان إليه ليظِّللاه في حضنهما المليء بالعطف والحنان من جديد، وتحت ظِلال عقيدة جديدة.
ولكن مع الأسف الشديد فإن مشاكل السجن والتعذيب والحرمان والتشريد أخرته عن تحقيق هذه الأمنية، والآن وقد قرر أن يكتب ذلك أبت تلك الذكريات الأليمة والآلام الجسيمة وآثار القسوة والتعذيب التي وقعت عليه في السجن إلا أن تحول بينه وبين التفكير والكتابة..
لكنه رغم كل هذه المشاكل والمصائب التي أصابته استطاع بعون الله عز وجل أن يُسطِّر هذا القدر القليل من قصته الطويلة الحزينة؛ لعله يشفي غليل القارئ والسامع.
وها نحن نقوم بنشرها ليتعرف شبابنا اليوم على قصة صاحبنا المؤلمة؛ ليبتعدوا عن طرق الشك والخرافات، وليهتدوا إلى طريق الحق واليقين.
وما ذلك على الله بعزيز...
(25/5/1381) الهجري الشمسي
الموافق لـ(1424هـ/2004م)